قلتُ، فقالوا، ثم قيل إنني قُلت…
بقلم - عبدالله عسيري
بهذه الجملة تبدأ حكاية كثير من الخلافات التي لم يكن لها أن تولد وتنمو حكايات سوء الفهم التي غالباً ما تتغذّى على نقل الكلام وتداوله دون وعي أو قصد حسن. فبين ما قيل فعلاً وما فُسِّر وما نُقل، تضيع الحقيقة وتُرهق القلوب وتتشقق العلاقات بصمت.
إن الكلمة أمانة وليست كل كلمة تُقال صالحة لأن تُحمل إلى غيرها. بعض الكلمات حين تُنقل تفقد معناها وحين تُعاد صياغتها تكتسب حدّة لم تكن فيها، فتتحول من حديث عابر إلى سبب للخصام ، ومن رأي شخصي إلى حكم جارح. وهنا تكمن خطورة “قيل وقال” حين يصبح وسيلة لإشعال الفتن بدل أن يكون جسرًا للفهم.
كم من صداقة تباعدت ، وكم من قرابة تصدعت لا لذنب حقيقي بل بسبب كلمة نُقلت دون تثبّت، أو نية لم تُفهم كما قُصدت. ولو أننا توقفنا قليلاً قبل نقل الكلام وسألنا أنفسنا: هل في هذا الحديث خير؟ هل سيُصلح أم سيُفسد؟ لنجونا ونجّى غيرنا من كثير من الألم.
الوعي بالكلمة لا يعني الصمت الدائم بل يعني اختيار الوقت والعبارة والهدف. أن نتحدث حين يكون الكلام إصلاحًا وأن نصمت حين يكون الحديث أذى. أن نواجه بلطف لا أن ننقل بخفاء وأن نُحسن الظن قبل أن نُسارع إلى الحكم. فكم من كلمة ظنناها إساءة وكانت في حقيقتها مجرد اختلاف في التعبير.
إن نشر الخير لا يكون فقط بالأفعال الكبيرة بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة من كلمة طيبة، ومن امتناع عن نقل حديث مؤذٍ، ومن حرص صادق على سلامة القلوب. حين نختار أن نكون سببًا في الطمأنينة لا في القلق وفي الجمع لا في التفريق، فإننا نرتقي بأنفسنا وبمن حولنا.
فلنترك ما قيل ويُقال ولننشغل بما نصنعه اليوم من أثر جميل. لنكن محبين للخير دعاة للسلام، وحملةً للكلمة التي تُنير ولا تُحرق. ففي عالم مزدحم بالأصوات يبقى أصدق الناس أثرًا هم أولئك الذين اختاروا أن تكون كلماتهم رحمة ، وأن يكون حضورهم سعادة تُزرع في قلوب البشر .