الوعي هو أول قرار يتخذه القائد
بقلم د. بجاد البديري
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي
في عالم قيادة المؤسسات، يظن كثيرون أن القرار هو لحظة الحسم، وأن القائد المؤسسي الحقيقي هو مَنْ يختار بسرعة ويُعلن موقفه بثقة، غير أن التجربة الشخصية في محور اتخاذ القرارات، تثبت أن القرار لا يبدأ عند الاختيار، إنما يبدأ قبل ذلك بكثير، فالقائد في مؤسسته لا يصنع أثره من خلال القرارات التي يتخذها فقط، وإنما من خلال درجة الوعي التي يملكها قبل أن يصل إلى لحظة القرار، ولهذا يمكن القول إن الوعي هو أول قرار يتخذه القائد، لأنه يمثل نقطة الانطلاق لكل خطوة لاحقة.
الوعي القيادي يعني أن يدرك الإنسان أين يقف قبل أن يسأل إلى أين يتجه، وأن يفهم طبيعة المرحلة، وحدود الإمكانات، وتعقيدات الواقع، قبل أن يندفع خلف خيار يبدو جذابًا أو سريعًا، فكم من قرار بدا صحيحًا في ظاهره، لكنه حمل في داخله بذور الإرباك، لأن صاحبه لم يرَ الصورة كاملة، وفي هذا أقول: ليست المشكلة دائماً في القرار ذاته، بل في نقطة البداية التي صيغ منها القرار.
القائد الواعي في مؤسسته الصغيرة أو الكبيرة، لا يسأل فقط: ما القرار المناسب؟ بل يسأل قبل ذلك: هل أفهم الموقف كما هو؟ هل أرى التفاصيل التي قد تغيب تحت ضغط الوقت؟ وهل أمتلك إدراكًا كافيًا لتبعات ما سأختاره؟ فالوعي يمنح القرار نضجه، ويجعل القائد يتأنى دون تردد، ويتقدم دون تهور، كما يحمي المؤسسات من قرارات تُتخذ تحت ضجيج اللحظة، ثم تُدفع أثمانها لسنوات طويلة. وقبل أن يختار القائد طريقًا جديدًا، عليه أن يتوقف لحظة صادقة مع ذاته: هل أتحرك لأنني أرى بوضوح، أم لأنني أهرب من واقع معقد؟ هل قراري نابع من فهم عميق، أم من استعجال مؤقت؟ إن القادة الخبراء في مؤسساتهم يبدأون قراراتهم من الداخل، من وعي يسبق كل خطوة ويمنحها معناها الصحيح، فالوعي ليس فكرة جميلة أو رفاهية فكرية، بل هو القرار الأول الذي تتفرع منه كل القرارات، وهو ما يصنع في النهاية الفرق بين قائد يصنع أثرًا ، وقائد يستهلك لحظة.