|

من هو الأب؟

الكاتب : الحدث 2026-08-28 04:24:47

 

بقلم المستشار / محمد بن سعيد أبوهتلة

رأيت مقطعًا لرجلٍ طاعن في السن، قد احدودب ظهره وأثقلته السنون، يمشي متكئًا على عصاه لزيارة قبر والده، وقد أحاط القبر بشبك يحميه من السيارات والمواشي، وكأن برّه بأبيه لم ينتهِ برحيله .

استوقفني المشهد طويلًا، وسكبتُ بعض العبرات على ذكرى والدي -رحمه الله- الذي أعاد إليّ هذا المقطع كثيرًا من تفاصيله وذكرياته، ومن هنا جاء السؤال: من هو الأب؟

الأب هو ذلك الرجل الذي اختار لك اسمًا قبل أن تعرف الأسماء، ثم ذهب ليسجلك ويضع اسمك إلى جوار اسمه، فتحمل اسمه في أوراقك ما بقيت حيًا' بينما يحملك هو في قلبه ما بقي من عمره .

هو الذي يرى اللقمة الطيبة فيختارها لك، والثوب الجميل فيلبسك إياه وإن لم يملك مثله، ويوفر لك ما تحتاج إليه ولو كان هو أحوج منك إلى ما في يده. يعطيك دون أن تسأل، فإذا كبر واحتاج إليك ربما يتمعر وجهه خجلًا قبل أن يطلب منك شيئًا .

هو الذي أخذ بيدك في أول أيام المدرسة، وترك عمله ومشاغله ليسجلك ويتابع تعليمك، ويبقى معك أيامًا حتى تتأقلم على جو المدرسة. وهو الذي حملك إلى المستشفى في منتصف الليل، تاركًا نومه ومتحاملًا على تعبه، وهمه أن يطمئن عليك فقط. وإذا رآك تتألم قال: «بعمري»؛ كلمة قصيرة تختصر قلب أبٍ يتمنى لو انتقل الألم من جسد ابنه إلى جسده .

هو من يحملك على كتفيه وظهره وأنت صغيرٌ، ويبحث عما يسعدك، حتى كبرت وأنت لا تدرك حجم ما أنفق من عمره وقوته وصحته وماله من أجلك .ولعل أبلغ ما يصف تلك المرحلة قول الله تعالى: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ 

ثم تدور الأيام… يكبر الابن ويضعف الأب، وينحني الظهر الذي كان قويًا وحملك في الصغر، وتثقل الخطوات التي كانت تسارع بك إلى المدرسة والمستشفى. وهنا تتبدل الأدوار؛ فيصبح الأب محتاجًا إلى يد ابنه، وإلى صبره ووقته ورفقته .

ومع الأسف، نرى من بعض الأبناء من يتضجر من كثرة طلبات آبائهم أو مواعيدهم ومشاويرهم، وقد يرفع أحدهم صوته على أبيه أو يغلظ عليه بالقول أو الفعل، وربما تجاوز بعضهم ذلك إلى الإساءة. ونجد الأب يسكت في بعض الأحيان، لا ضعفًا ولا عجزًا، وإنما لأن الأبوة لا تتقاعد. ولأن قلبه ما زال يرى في ذلك الرجل الذي يقف أمامه بكل عنفوان الطفل الذي حمله يومًا بين ذراعيه .

والعجيب أن الأب يظل أبًا حتى في ضعفه ومرضه؛ يقلق على أبنائه، ويسأل عنهم، ويوصي بهم، وكأن العمر كله لم يكن كافيًا ليطمئن عليهم . 
ثم يأتي الرحيل… وآه من الرحيل! إنه بداية معرفة الحقيقة، فعند الرحيل يتسع الفراغ، ويبدأ الإنسان في اكتشاف قيمة تفاصيل كان يظنها عادية: صوت الأب في البيت، مجلسه، نصيحته، سؤاله، مشاويره، وحتى ملاحظاته التي ربما ضاق بها يومًا، بل ودفء المكان الذي كان يجلس به .

ويأتي مع الفقد حساب الذاكرة؛ يتذكر الابن كلمة كان ينبغي ألا يقولها، ومشوارًا تضجر منه، ووقتًا كان يستطيع أن يقضيه مع أبيه فأجّله، وعطاءً كان يستطيع تقديمه ولم يقدمه. وحينها يأتي وقت لا ينفع فيه الندم ولا يعود قادرًا على إصلاح شيء، ولا يبقى إلا الدعاء والصدقة والعمل الصالح، وألم الفراق ودموعه .

وهنا نفهم ذلك الرجل المسن الذي رأيته عند قبر والده؛ فلم يكن يحمي قبرًا بشبك فحسب، بل كان يحرس في داخله ذاكرة عمر كامل. جاء بعصاه وظهره المحدودب ليقول -من غير كلام- إن الإنسان مهما كبر يظل في قلبه ابنًا لأبيه .

لذلك، من كان أبواه أحدهما أو كلاهما على قيد الحياة، فليغتنم وجودهما قبل أن يتحول اللقاء إلى ذكرى، والمشوار إلى أمنية، والصوت إلى حنين. خذ أباك إلى مشاويره كما أخذك، واصبر على ضعفه كما صبر على ضعفك، واستمع إلى حديثه وإن تكرر، ولا تجعله يخجل من طلب حاجته منك. وبرّ أمك، وأحسن صحبتها، وأدخل السرور عليها ما استطعت .

وقم باصطحابهم معك في تمشياتك وطلعاتك كما كانا  يصطحبانك معهما وأنت صغيرٌ في كل مكان يريانه جميلًا . ومهما بلغ الإنسان من البر بوالديه، سيأتي يوم بعد رحيلهما يتمنى فيه لو أنه فعل أكثر . 

قد يشيب الابن، وقد ينحني ظهره، وقد يتكئ على عصاه… لكنه أمام أبيه يظل ابنًا إلى آخر العمر.

يقول الشاعر:
يا قبر أعز إنسان غالي ساكن فيك .. خفف عليه من التراب الثقيلي
يا قبر ماني طيب عقب راعيك .. اللي رعاني صار عندك نزيلي 

رحم الله آباءنا وأمهاتنا الذين رحلوا، وحفظ من بقي منهم، وأعاننا على برهم أحياءً، والدعاء لهم أمواتًا.