|

إرث عسير الأخضر

الكاتب : الحدث 2026-05-16 05:23:47

بقلم: عبدالله آل شعشاع

تحتضن منطقة عسير واحدةً من أغنى البيئات الطبيعية في المملكة، حيث تمتد الجبال الشاهقة وتتعانق مع الضباب والأمطار الموسمية لتصنع لوحةً خضراء نادرة، أصبحت موطنًا لأشجار معمّرة شكّلت عبر مئات السنين جزءًا من هوية المكان وروح الإنسان. فهذه الأشجار ليست مجرد غطاء نباتي، بل إرث بيئي وثقافي يحكي تاريخ الأرض، ويحفظ ملامح الحياة في جنوب المملكة.

وتبرز شجرة العرعر كأحد أهم الرموز الطبيعية في مرتفعات السروات، حيث تقف شامخة فوق القمم الباردة منذ قرون طويلة، حتى إن بعض أشجارها تجاوز عمرها مئات السنين. وتمثل هذه الشجرة عنصرًا حيويًا في حماية التربة من الانجراف، وتنقية الهواء، واحتضان الحياة الفطرية، فضلًا عن دورها في الحفاظ على التوازن البيئي في المرتفعات الجنوبية.

كما تنتشر أشجار الزيتون البري في بعض جبال المنطقة، وهي من الأشجار المعمّرة التي ارتبطت بالطبيعة العسيرية منذ القدم، لما تحمله من فوائد بيئية وصحية، إضافةً إلى قدرتها الكبيرة على مقاومة الظروف المناخية القاسية. أما شجرة الطلح الجبلي فتُعد مصدرًا مهمًا لغذاء النحل وإنتاج العسل العسيري الشهير، إلى جانب دورها في تحسين خصوبة التربة وتوفير الظل والرطوبة في البيئة الجبلية.

وفي قلب هذا التنوع النباتي، تقف أشجار السدر واللبخ شاهدًا حيًا على علاقة الإنسان بالطبيعة، حيث استُخدمت عبر عقود طويلة في الغذاء والعلاج وصناعة بعض الأدوات التقليدية، فيما ارتبط السدر تحديدًا بالموروث الشعبي والقيم الزراعية الأصيلة في المنطقة.

ولم تعد هذه الأشجار مجرد مكونات طبيعية صامتة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في دعم السياحة البيئية والزراعة المستدامة، خاصةً مع تنامي الاهتمام بأشجار البُنّ في المرتفعات الجنوبية، التي تحولت إلى رمزٍ حديث يجمع بين الاقتصاد والتراث والطبيعة.

ورغم هذه الثروة الطبيعية الفريدة، تواجه الأشجار المعمّرة في عسير تحديات متزايدة، أبرزها التغيرات المناخية والاحتطاب الجائر والعبث البيئي، مما يجعل مسؤولية الحفاظ عليها واجبًا وطنيًا ومجتمعيًا يتطلب وعيًا حقيًا بأهمية هذا الإرث الطبيعي للأجيال القادمة.

إن أشجار عسير ليست مجرد نباتات تنمو فوق الجبال، بل ذاكرة حيّة تحفظ قصص المطر والإنسان والمكان. وكل شجرة معمّرة هناك تروي حكاية وطنٍ أخضر يستحق أن يبقى نابضًا بالحياة.