|

رمضان في بلد الحرمين.. رسالة روحانية للعالم

الكاتب : الحدث 2026-02-13 05:06:36

بقلم ــ جبران بن عمر 
——————————————————

حين يُقبِل رمضان على المملكة العربية السعودية، لا يدخل شهرًا في تقويم، بل يدخل فصلًا من السكينة في تاريخ أمة ، هنا ؛ حيث يقوم المسجد الحرام شامخًا كقلبٍ نابضٍ بالتوحيد، ويحتضن المسجد النبوي ذاكرة الرسالة ومهد السُّنّة، يتبدّل وقع الزمن، ويعلو المعنى، وتغدو الأيام محاريب مفتوحة على السماء..

قدسيّة الجغرافيا… حين يتكلم المكان

في بلد الحرمين، لا تكون الأرضُ حيّزًا جغرافيًا فحسب، بل وعاءً للوحي، ومرآةً للتاريخ، وشاهدًا على خطى الأنبياء والصالحين ، فإذا أظلّ رمضان، تهيّأت الروح كما تتهيّأ القباب لاستقبال الدعاء ، تتضاعف الطمأنينة، ويتسع الصدر، وتغدو العبادة مقامًا يُرتقى لا عادةً تُؤدّى..

الطائفون حول الكعبة ليسوا أجسادًا تدور، بل قلوبًا تعترف، وأرواحًا تستسلم، وألسنةً تُجدّد العهد مع الله ، وفي المدينة، تتراصّ الصفوف كما لو أنها سطور كتابٍ واحدٍ عنوانه: الاتباع والمحبة..

مهابة المشهد… وحدة تتجلّى

تلتقي في الحرمين ألوان البشر وألسنتهم، وتذوب الفوارق في محراب واحد ، لا يُسأل المرء عن عرقه ولا لغته، بل يُعرَف بخشوعه ودمعته ، في صلاة القيام، حين ترتفع آيات القرآن، يسكن الضجيج، ويصمت العالم خارج الأسوار، ويبقى صوت الحقّ يتردّد في القلوب قبل الجدران..
هنا، تشهد بعينيك معنى الأمة؛ جسدًا واحدًا، ووجهةً واحدة، ودعاءً واحدًا.

خدمة تُتقن… ورسالة تُحفظ

ليس المشهد روحانيًا فحسب، بل هو أيضًا قصةُ عنايةٍ ومسؤولية ، ملايين الصائمين والمعتمرين يفدون، فتُبذل الجهود في تنظيمهم، ورعايتهم، وتأمين راحتهم، وكأن كل يدٍ تعمل تقول: هذه خدمةٌ نتقرب بها إلى الله..

في بلد الحرمين، تتحوّل الإدارة إلى أمانة، والتنظيم إلى عبادة، والإبتسامة إلى صدقة ، وتغدو قيمة “شرف الخدمة” عنوانًا حاضرًا في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة..

اقتصاد القلوب… حين يفيض العطاء

رمضان هنا مدرسةُ كرمٍ لا تنضب ، تمتدّ موائد الإفطار، وتُحمَل السلال الغذائية إلى البيوت، وتُقضى الحاجات في صمتٍ نبيل ، العطاء ليس استعراضًا، بل سرًّا بين العبد وربه ، والصدقة ليست رقمًا، بل أثرًا يُراد به وجه الله..

يتحوّل المجتمع إلى جسدٍ واحدٍ يشعر بآلام بعضه، ويستشعر مسؤولية بعضه ، في هذا الشهر، تتجلّى القيم في أبهى صورها: رحمة، ومواساة، ونجدة، ووفاء..

القرآن … سيّد الليالي

إذا كان رمضان شهر القرآن، فإن الحرمين محرابه الأكبر ، تتوالى الختمات، وتنساب التلاوات بخشوعٍ يُوقظ الغافل ويثبّت المؤمن ، الآيات لا تُسمَع فقط، بل تُعاش؛ تُصحّح مسارًا، وتُرمّم قلبًا، وتُعيد ترتيب الأولويات..

في ليالي القيام، حين يمتدّ الدعاء طويلًا، تشعر أن السماء أقرب، وأن الرجاء أعظم، وأن المغفرة بابٌ مفتوح لمن طرقه بصدق..

أصالةٌ لا تنفصل عن التجدد

رغم ما تشهده المملكة من تطوّرٍ ونماء، يبقى رمضان شاهدًا على ثبات الهوية ، تتجدّد الوسائل، وتتسع الخدمات، لكن الجوهر واحد: تعظيم شعائر الله، وإحياء سنة نبيّه، وترسيخ قيم الإيمان في ضمير المجتمع..

إنه توازنٌ نادر بين عمق الماضي وإشراقة الحاضر، بين الأصالة والنهضة، بين الثبات والحركة.

خاتمة … رمضان يُعاش لا يُوصف

رمضان في بلد الحرمين ليس حدثًا يُروى، بل تجربة تُعاش ، هو لقاءٌ سنويٌّ مع النفس لتطهُر، ومع القرآن ليقود، ومع الله ليغفر ويرفع..

هنيئًا لمن أدرك هذا الشهر الفضيل ، وهنيئًا لمن جعل قلبه حرمًا عامرًا بالإيمان، فالعبرة – في النهاية – أن يتحوّل رمضان من زمنٍ مقدّس إلى أثرٍ دائم، ومن عبادةٍ موسمية إلى حياةٍ كاملةٍ تُرضي الله .