الذكاء العاطفي… السلاح الخفي للقائد الناجح
بقلم: أ. فاطمه البشري
ليست القيادة منصبًا يُمنح، بل حالة وعي تُبنى. والفارق الحقيقي بين قائد عادي وقائد مؤثر لا يُقاس بعدد القرارات التي يتخذها، بل بطريقة اتخاذها. في بيئات العمل المؤسسية، حيث تتقاطع المصالح وتتصاعد الضغوط وتتعدد التوقعات، يصبح الذكاء العاطفي ليس مهارة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة قيادية حقيقية. فالقائد لا يواجه المواقف وحدها، بل يواجه مشاعره أولًا.
القائد منخفض الذكاء العاطفي تحركه المؤثرات مباشرة؛ موقف ضاغط يقود إلى انفعال، ثم قرار متسرع. أما القائد الذكي عاطفيًا فيضيف خطوة فاصلة بين الشعور والقرار؛ لحظة وعي يسأل فيها نفسه: ماذا أشعر الآن؟ وهل قراري يخدم مصلحة المؤسسة أم يرضي انفعالي اللحظي؟ هذه المسافة القصيرة بين الشعور وردة الفعل هي التي تصنع الفرق. ففي بيئات العمل، قد يكون اتصال غاضب من عميل، أو تأخر في إنجاز، أو خطأ من أحد أفراد الفريق سببًا كافيًا لاتخاذ قرار حاد، لكن دقيقة صمت أحيانًا توفر أشهرًا من المعالجة والتصحيح.
إدراك المشاعر لا يعني ضعفًا، بل يعني احترافًا. والتريث لا يعني ترددًا، بل يعني سيطرة. كثير من الفرق تنهار بسبب قرار اتُّخذ تحت ضغط الغضب، وكثير من المواهب تزدهر لأن قائدًا اختار أن يفهم قبل أن يحكم. فالقيادة لا تُختبر في أوقات الاستقرار، بل في لحظات التحدي. الأزمة في ظاهرها ضغط، لكنها في عقل القائد الواعي فرصة لإعادة التقييم. ركود، تعثر، خسارة أو تأخير… كلها أحداث محايدة حتى نضعها في الإطار الذي نختاره. السؤال الفارق ليس: لماذا حدث هذا؟ بل: كيف أستثمر ما حدث؟ طريقة التفكير التي أوقعتك في المشكلة لن تكون هي ذاتها التي تخرجك منها.
القائد الذي يعيد تأطير الموقف يرى ما لا يراه غيره؛ يرى فرصة تطوير في لحظة تعثر، ويرى مساحة تعلم في خطأ عابر. هو لا يستهلك طاقته في اللوم، بل يحول التحدي إلى نقطة انطلاق. كما أن القيادة ليست بحثًا عن حل سريع بقدر ما هي بحث عن أفضل الخيارات الممكنة. ومن أخطر ما قد يقع فيه القائد أن يكتفي بأول حل يبدو مقبولًا، أو أن يحيط نفسه بأشخاص يشبهونه تمامًا في التفكير والرؤية. الذكاء العاطفي يعلّم القائد التواضع الفكري؛ أن يصغي، أن يسمح بالاختلاف، وأن يبحث عن زوايا جديدة للصورة. فالقائد الذي يسمع صوتًا واحدًا سيحصل على نتيجة واحدة، أما الذي يفتح المجال لتعدد الآراء فسيملك خيارات أوسع وقرارات أكثر نضجًا.
ولا يمكن الحديث عن القيادة دون الحديث عن الحماس المتجدد. فالضغوط اليومية قادرة على استنزاف الطاقة إن لم تُغذَّ بالرؤية. الطريق الجديد غالبًا ما يكتنفه قدر من الغموض، لكن القائد الرائد لا ينظر إلى السفح، بل يركز على القمة. يرى الإمكان قبل العائق، ويتخيل النجاح قبل أن يتحقق. هذا التصور ليس ترفًا ذهنيًا، بل أداة داخلية تعيد شحن الطاقة وتوجه السلوك نحو الهدف.
ومن واقع التجربة في بيئات العمل المختلفة، أدركت أن أعقد القرارات لم تكن تحتاج إلى قوة نفوذ بقدر ما كانت تحتاج إلى هدوء داخلي. وأن أكثر اللحظات حساسية لم تُحسم برفع الصوت، بل بخفض الانفعال. القيادة ليست سيطرة على الآخرين، بل إدارة للنفس أولًا. والقائد الذي ينجح في ضبط مشاعره يكسب احترام فريقه قبل ولائهم، ويصنع أثرًا يتجاوز حدود المنصب.
القيادة ليست لقبًا إداريًا، ولا مقعدًا في الصف الأول، بل وعي دائم واتزان تحت الضغط. من يقُد مشاعره يقُد قراراته، ومن يقُد قراراته يقُد مؤسسته بثبات. أما من تجرّه انفعالاته فسيبقى أسير اللحظة، مهما كان موقعه.
وفي رأيي، لم تعد المؤسسات اليوم تبحث عن القائد الأعلى صوتًا، بل عن الأكثر اتزانًا. لم يعد النجاح مرتبطًا بالصرامة وحدها، بل بالنضج النفسي الذي يحوّل الغضب إلى حكمة، والضغط إلى فرصة، والخلاف إلى مساحة نضج جماعي. القيادة الحديثة ليست استعراض قوة، بل ممارسة وعي. ومن لا يُحسن إدارة ذاته، فلن يُحسن إدارة فريق أو مؤسسة، مهما امتلك من صلاحيات. فالمنصب قد يُمنح بقرار… لكن القيادة الحقيقية لا تُمنح، بل تُثبت في لحظات الاختبار.