|

السلامة في المدن الترفيهية… من الاستجابة للحوادث إلى الحوكمة الوقائي

الكاتب : الحدث 2026-07-07 09:49:37

بقلم ــ فاطمة آل مبارك 


يمثل قطاع الترفيه أحد ملامح جودة الحياة، وتوسع هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة بصورة لافتة، الأمر الذي يجعل تعزيز منظومة السلامة فيه مسؤولية تتنامى مع اتساعه. فكلما ازدادت أعداد الزوار، ازدادت أهمية أن تكون معايير السلامة والرقابة أكثر صرامة واستباقية.

ومع تكرار بعض الحوادث في مرافق الترفيه، لم يعد من الكافي التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة، بل أصبحت تستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التشغيل والرقابة والصيانة، بهدف الوقوف على أوجه القصور -إن وجدت- ومعالجتها بما يمنع تكرارها مستقبلاً.

فالسلامة ليست إجراءً يبدأ عند تشغيل اللعبة، بل منظومة متكاملة تبدأ من التصميم والتصنيع، وتمتد إلى النقل والتركيب والفحص والتشغيل والصيانة، وتنتهي فقط عندما يغادر الزائر المكان بسلام. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يستوجب المراجعة والتقييم، لأن سلامة الإنسان تقوم على تكامل جميع عناصر المنظومة، لا على سلامة جزء منها فقط.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من مفهوم الرقابة التقليدية إلى منظومة حوكمة متكاملة، تقوم على وضوح المسؤوليات، واستقلالية الفحص الفني، وكفاءة برامج الصيانة، وسرعة معالجة الملاحظات، بما يعزز الثقة في هذا القطاع الحيوي.

كما أن منح التراخيص يجب أن يرتبط بمتابعة مستمرة، لا بإجراءات تسبق الافتتاح فقط. فالرقابة الفاعلة هي التي ترافق دورة التشغيل كاملة، من خلال جولات فنية مفاجئة، وتقييم دوري للألعاب، ومراجعة سجلات الصيانة، والتحقق من التزام المنشآت بالاشتراطات المعتمدة.

وفي الوقت نفسه، تبرز أهمية وجود كود وطني موحد لسلامة الألعاب الترفيهية، يحدد المتطلبات الفنية الواجب توافرها في جميع المرافق، سواء كانت دائمة أو موسمية، ويضع معايير واضحة للفحص، والعمر التشغيلي، وتأهيل الكوادر الفنية، وآليات الإيقاف الاحترازي عند ظهور أي مؤشرات تستدعي ذلك.

ولا تقل الشفافية أهمية عن الرقابة. فإعلان نتائج التحقيقات، ونشر الإجراءات التصحيحية، والإفصاح عن الدروس المستفادة، يعزز ثقة المجتمع، ويساعد جميع المشغلين على تطوير ممارساتهم، ويحول كل حادثة إلى فرصة لتحسين المنظومة بأكملها.

كما أن المساءلة تمثل ركناً أساسياً في أي منظومة سلامة ناجحة. فكلما كانت المسؤوليات محددة، والإجراءات واضحة، والعقوبات متناسبة مع حجم المخالفة، ارتفع مستوى الالتزام، وأصبحت الوقاية جزءاً أصيلاً من ثقافة العمل، لا مجرد استجابة مؤقتة بعد وقوع الحوادث.

إن الاستثمار الحقيقي في قطاع الترفيه لا يقاس بعدد الفعاليات أو حجم الإقبال عليها فحسب، بل بقدرته على توفير بيئة آمنة تحظى بثقة المجتمع. فسلامة الإنسان هي الأساس الذي تُبنى عليه جودة الحياة، وهي المعيار الذي تُقاس به كفاءة الأنظمة وفاعلية الرقابة.

لقد آن الأوان للانتقال من الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الحوادث إلى بناء منظومة استباقية تجعل الوقاية هي القاعدة، لا الاستثناء. فكل إجراء يُتخذ اليوم لتعزيز السلامة هو استثمار في حماية الأرواح، وترسيخ للثقة، وضمان لاستدامة قطاع ترفيهي يحقق أهدافه دون أن تكون سلامة الإنسان محل مخاطر.