|

فوضى “الإعلامي”… حين يصبح الجوال بديلاً عن المهنة

الكاتب : الحدث 2026-05-03 09:49:56

بقلم - عبدالله آل شعشاع 

في زمنٍ باتت فيه الكاميرا في متناول اليد، لم يعد الوصول إلى الجمهور حكرًا على المؤسسات، بل أصبح مفتوحًا لكل من يملك حسابًا ومنصة. لكن ما لم يكن متوقعًا، هو أن يتحول هذا الانفتاح إلى فوضى مفاهيم، يتصدرها لقب “إعلامي” الذي فقد هيبته لدى البعض، وأصبح يُمنح بلا معايير ولا مسؤولية.

المشكلة ليست في التصوير، ولا في مشاركة اليوميات، ولا حتى في صناعة المحتوى، فهذه مساحات مشروعة ومطلوبة، بل وقد تكون نافعة ومؤثرة. لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ عندما يُختزل الإعلام في “لقطة” أو “مقطع”، ويُساوى بين من يحمل رسالة مهنية مبنية على التأهيل والمعرفة، وبين من ينشر دون تحقق أو وعي أو إدراك لتبعات ما يقدمه.

الإعلام ليس هواية عابرة، بل مهنة قائمة على أسس علمية وأخلاقية، تبدأ بالتأهيل الأكاديمي، ولا تنتهي عند حدود النشر، بل تمتد إلى المسؤولية الاجتماعية، وتحري الدقة، والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي. الإعلامي الحقيقي لا ينقل كل ما يسمع، ولا ينساق خلف الإثارة، بل يتحقق، ويوازن، ويعي أن كل كلمة قد تصنع وعيًا أو تهدمه.

ما يحدث اليوم أن البعض يتحدث “من رأسه”، يمنح الألقاب، وينسب الأشخاص لغير أصولهم، ويقدم معلومات مغلوطة بثقة مفرطة، وكأن المنصة صكّ اعتماد. هذه الممارسات لا تسيء فقط للأفراد، بل تضر بالمجتمع، وتشوّه التاريخ، وتفتح بابًا للفوضى المعرفية التي يصعب احتواؤها لاحقًا.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية؛ فهو الممول الحقيقي لهذه الظاهرة عبر المتابعة والتفاعل. كل مشاهدة هي دعم، وكل مشاركة هي تعزيز، وهنا تتجلى الحاجة إلى وعي مجتمعي يفرّق بين الخبر المهني والمحتوى الشخصي، وبين المعلومة الموثقة والرأي العابر.

إن تصحيح المعلومة لا يعني الطعن في الآخرين، بل هو واجب، كما أن الاختلاف لا يبرر التجريح. فالجميع أبناء وطن واحد، والخطأ وارد، والصواب نسبي، خاصة في المسائل التاريخية التي لم تُكتب بأيدٍ محلية خالصة، بل نُقلت من مصادر متعددة، يؤخذ منها ويُرد.

الحل لا يكمن في المنع، بل في التنظيم. نحتاج إلى بيئة إعلامية واضحة المعايير، وتشريعات تضبط الممارسة، وتعزز العمل المؤسسي، وتحمي المهنة من العبث، وتمنح كل ذي حقٍ حقه. كما نحتاج إلى ترسيخ ثقافة التحقق، وتعليم الأجيال أن ليس كل ما يُنشر يُصدق، وأن الحقيقة لا تُقاس بعدد المشاهدات.

في النهاية، سيبقى الإعلام رسالة، لا مجرد محتوى… ومسؤولية، لا مجرد شهرة. ومن لا يدرك ذلك، فالأجدر به أن يعيد تعريف موقعه، قبل أن يعيد المجتمع تعريفه عنه.