|

ذاكرة المكان وسيرة الرجال.. قراءة في "رمز في ذاكرة بريدة"

الكاتب : الحدث 2026-04-13 09:08:49

بقلم ــ محمد العتيق 


​تمثل الكتب التاريخية الجسر الحضاري الذي يعبر بنا نحو عوالم لم نشهدها، والنافذة الوجدانية التي نطلُّ منها على ملامح الماضي وتفاصيل لم يعاصرها جيلنا الحالي. وفي رحاب المكتبة التاريخية السعودية، يبرز كتاب "رمز في ذاكرة بريدة" لمؤلفه الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله المشيقح، كأحد المؤلفات الرصينة التي لم تكتفِ بتوثيق سيرة ذاتية، بل غدت سجلاً حافلاً يختزل تاريخ منطقة بأكملها، ويرسم ملامح إنسانها ومكانها بمداد من الوفاء والمعرفة.
​يتناول الكتاب سيرة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح (1310 - 1391هـ) -رحمه الله- بأسلوب يجمع بين الدقة التوثيقية والتدفق العاطفي. ويستطيع القارئ بين جنباته أن يستشعر عبق الماضي في حواري بريدة القديمة ومعالمها التي وصفها المؤلف بإسهاب دقيق، تجعل من يطالع الصفحات كأنه يعايش تلك الحقبة رأي العين، ويجوب أزقتها العتيقة مستنشقاً روح التراث. إنها قدرة الكاتب الفائقة على إحياء الأماكن وترجمة مناقب الرجال الذين نذروا أنفسهم لبناء هذه الأرض، لنستذكر اليوم تضحياتهم وأعمالهم الجليلة التي أرست دعائم الاستقرار وبنت لبنات المجتمع الأولى.


​ولعلّ من أبهى الصور التاريخية التي نقلها الكتاب، هي تلك الشهادة التي سطرها سماحة الشيخ عبد الله بن حميد -رحمه الله- في حق الشيخ عبد الله المشيقح، حين قال: "لم أرَ في أهل القصيم أدهى من عبد الله المشيقح". وهي شهادة نابعة من صدق ويقين بمواقف مشهودة وتجارب عميقة، مما يعكس ذكاءً فطريًا وحكمة بالغة ميزت شخصية الفقيد وسداد رأيه.


​كما لا يغفل الكتاب الحديث عن رجالات بريدة الأفذاذ الذين شاركوا في صياغة التاريخ الاجتماعي للمنطقة، ومن أبرزهم ، الشيخ إبراهيم بن سليمان الجربوع، والشيخ عبد الله بن سليمان الجربوع، والشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الشريدة، والشيخ يحيى بن عبد الرحمن الشريدة، والشيخ فهد بن علي الرشودي، والشيخ إبراهيم بن علي الرشودي، والشيخ محمد بن عبد العزيز الربدي، 
والشيخ عبد الله بن محمد العجاجي -رحمهم الله جميعاً-، وغيرهم من الرموز الذين امتزجت سيرهم ببناء المجتمع وتعزيز قيمه.

​إن أهمية هذا الكتاب تكمن في كونه مرجعًا متجددًا يزخر بذكر أمثال هؤلاء الرجال؛ فكلما عاد إليه القارئ وجد معلومة بكر وكأنه يطالعها لأول مرة. إننا أمام وثيقة أدبية وتاريخية تجسد أسمى معاني وفاء الأبناء للآباء، وحرص المثقف على تدوين ذاكرة وطنه. لذا، فإن هذا الكتاب يُعد مرجعًا أساسيًا لكل باحث ومستزيد من أخبار الأوائل، وهو متاح لمن أراد الغوص في أعماق هذا الإرث العظيم، لتبقى سير هؤلاء الرجال نبراسًا يضيء للأجيال القادمة قيم البناء والعطاء والتمسك بالجذور الراسخة في أعماق هذا الوطن.