|

لا .. مساومة على أمن الوطن

الكاتب : الحدث 2026-01-04 01:51:06

د/ طلال الحربي
----------------------------------

وأخيرًا ، بلغ الصبر الاستراتيجي السعودي منتهاه بعدما وصل العبث السياسي والتآمر المكشوف والخفي حدًا لا يمكن السكوت عليه. لقد جاء الرد العسكري السعودي صادمًا للذين ظنوا أن الحلم على ما يقوم به السفهاء المأجورون رسالة ضعف ما جعلهم يتجرأون على مغامرتهم العسكرية في خاصرة المملكة الجنوبية. لكن الرد السعودي ربما يعيد إليهم، ولمن ورائهم، عقولهم الواهنة ..

لقد قدمت المملكة طوال أكثر من عشر سنوات تضحيات كبيرة في قيادة معسكر التحالف العربي لدعم الحكومة الشرعية. لكن أطرافًا من هذا التحالف تراجعت، وأطرافًا أخرى تآمرت إلى حد تهديد الأمن القومي السعودي، وحتى العربي، وأطرافًا أخرى ظلت متفرجة.

ومنذ انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية بدعم علني من إيران، أعلنت قيادة المملكة أنها ليست من دعاة الحرب، لكنها ستخوضها بكل اقتدار وحزم إذا ما فرضت عليها. وقد أدركت قيادة المملكة أهداف اللاعبين في الأزمة اليمنية ونجحت في تجنب الوقوع في فخ جر المملكة إلى الوحل اليمني. لذلك، نجحت في تهدئة اللعبة مع إيران ووكلائها لإتاحة الفرصة للأطراف المتصارعة للتفكير والاحتكام للعقل في حل الأزمة سياسيًا بدلًا من الاحتكام لقوة السلاح الذي دمر اليمن وقتل آلافًا مؤلفة من أهلها وشرد ملايين آخرين.

لكن المملكة ظلت حريصة على ممارسة دورها في دعم الحكومة الشرعية سياسيًا وماليًا وإنسانيًا لتقوم بدورها في ترميم بلد مدمر تتكالب عليه أطراف داخلية وخارجية كما تتهافت الجوارح على الجيف وتحتل جزرًا يمنية وتنشىء موانىء تجارية وتستغل اليمن كمشروع استثماري وتمارس الإرهاب والقتل والاغتيالات والإقصاء تحت ادعاءات شتى.

إلا أن هذه الأطراف ظلت مصممة على محاولة إفشال الدور السعودي بشتى السبل لجرها إلى مواجهات لا تريدها أو إضعاف دورها لتتخلى عن مواقفها الوطنية الثابتة. وعملت هذه الأطراف على الالتفاف على الدور السعودي في اليمن والسودان وسوريا وفلسطين، والقائمة تطول، من خلال أطروحات سياسية ودينية حاكتها أطراف تحرك هذه الدمى على هواها. وإذا ما فتحنا الملفات فسوف تنكشف عورات كثيرة.

لكن قيادة المملكة انتظرت بصبر أن يتوقف هذا العبث بالأمن العربي والخليجي، لكن هناك من تمادى إلى حد الجهالة من خلال دعم "الانتقالي الجنوبي" للاستيلاء على السلطة والزحف إلى حدود المملكة، فجاء رد قيادة المملكة مثلما قال عمرو بن كلثوم: "ألا لا يجهلن أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلينا". إلا أن هذا الرد لم يكن جهالة وإنما جاء نتيجة تقدير الموقف وردع للمتطاولين الذين يحاولون أن يبنوا لهم مجدًا زائفًا.

وبكل تأكيد أننا لم نكن نتمنى أن يتطور الوضع في اليمن إلى صدام عسكري، ولكن الرد السعودي كان استباقيًا لإفشال مؤامرة  تتعدى حدود اليمن إلى حدود المملكة وأرضها وإنسانها وثرواتها وقيادتها.

رسائل كثيرة أرسلتها قيادة المملكة وعلى رأسها سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ووزير الدفاع سمو الأمير خالد بن سلمان لكل الأطراف المعنية لكن هذه الأطراف لم تفهم الرسالة جيدًا لأن عليها أن تقوم بدورها الوظيفي المطلوب منها خدمة للمشروع الصهيوني! وقادته الذين يصبون النار على الزيت لإبقاء نار الصراع اليمني مشتعلة.

لقد كان على المملكة حتماً أن تقوم بهذه العملية الجراحية الخاطفة لوحدها بعدما تخلى الجميع عن أدوارهم لأسباب معروفة.

ومع ذلك، فعلى الرغم من تحذير المملكة بأن أمنها يعتبر خطًا أحمر، فقد حرصت على إبقاء الموقف تحت السيطرة حفاظًا على استقرار المنطقة وازدهارها.  وقد جاء بيان الخارجية السعودية رصينًا حكيماً ومدروسًا بدقه ، وهذه هي من الحالات ربما النادرة التي اضطرت فيها قيادة المملكة إلى الحديث صراحة عن دور دولة الإمارات العربية المتحدة "الشقيقة" في دفع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، ما يُعدّ تهديداً للأمن الوطني للمملكة والأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

وقد لخص البيان موقف المملكة في1- أن الخطوات التي قامت بها دولة الإمارات تعد بالغة الخطورة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم جهوده في تحقيق أمن اليمن واستقراره، و2- أن على الإمارات أن تستجيب لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من اليمن خلال 24 ساعة، و3- إيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن ..

كل ما نرجوه هو أن تستجيب القيادة الإماراتية للدعوة السعودية والشرعية اليمنية حتى لا تتطور الأحداث إلى حد كسر العظم الذي لن يستفيد منه أحد إلا أعداء الأمة. لكن على كل المعنيين أن يفهموا رسالة المملكة وهي أننا في الوقت الذي لا نفرط  فيه بالأخوة، إلا أننا لا نساوم على أمن الوطن ..! .