|

صناعة المعنى.. جوهر القيادة الحديثة

الكاتب : الحدث 2026-01-18 02:24:47

بقلم د. بجاد البديري
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي

بات واضحاً في بيئات العمل الحديثة، أن دور القائد يتغير مع تغيُّر طبيعة التحديات وتسارع التحولات، فلم تعد القيادة مرتبطة فقط بإصدار القرار، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بقدرة القائد على صناعة المعنى الذي يجعل القرار مفهوماً، ومقبولاً، وقابلاً للتنفيذ بثقة. صناعة القرار مهارة إدارية أساسية، غير أن أثرها يظل محدوداً عندما تنفصل عن المعنى، وقد يصل القرار إلى الفريق بصيغته الرسمية، بينما المعنى يحدد طريقة استقباله، ومستوى الالتزام به، واستمرارية تنفيذه، وفي كثير من البيئات المهنية، يظهر الفرق واضحاً بين قرار يُنفَّذ بحكم التنظيم، وقرار يُتبنَّى لقناعة مرتبطة بالهدف.

في السياق المهني داخل المملكة، ومع اتساع مشاريع التحول وتغيُّر الأدوار، تبرز أهمية هذا النوع من القيادة، حيث القائد الذي يوضح لماذا يحدث التغيير، وما أثره، وما الذي سيبقى ثابتاً، يمنح فريقه شعوراً بالاتزان وسط التحول، هذا الوضوح يقلل المقاومة، ويخفف القلق، ويجعل العمل أكثر انسيابية، إلا أن صانع المعنى يهتم باللغة بقدر اهتمامه بالإجراء، إذ يختار كلمات واضحة، ويتجنب التعقيد، ويقدِّم القرار ضمن سياقه العام. هذا الأسلوب يخلق مساحة للفهم والحوار، ويعزز الثقة بين القيادة والفِرَق، ويتحول المعنى هنا إلى أداة تنظيمية غير مكتوبة، توجه السلوك اليومي دون الحاجة إلى كثرة التعليمات.

كما يظهر هذا النهج بوضوح في أوقات التغيير السريع، الخطط تتغير، والظروف تفرض سلوكاً مختلفاً، غير أن وضوح الاتجاه يمنح الفِرَق شعوراً بالاستقرار، فيما يحافظ القائد صانع المعنى على هذا الاتجاه، حتى مع تغيُّر الوسائل، ويجعل القرار جزءاً من مسار مفهوم لا خطوة معزولة. الخلاصة أن القيادة الفاعلة تتجاوز اتخاذ القرار إلى صناعة المعنى الذي يحيط به، بما يُسهم في تحقيق التكيف والاستدامة، وبما يؤكد أن المعنى هو ما يمنح القرار حياة أطول، ويجعل أثره أعمق، ويحوِّل التنفيذ إلى التزام واعٍ لا استجابة مؤقتة.