أخذت منا الأيام ما أخذت..!
بقلم : د/ سلمان الغريبي
رئيس قسم المقالات
نعم، الأيام في كثير من الأحيان فجأة تأخذ منا كل جميل ، وتترك لنا الذكرى بشتى صورها؛ المفرح منها والمحزن ..
بداية من أيام الطفولة والصبا، للمدرسة، للجامعة، للعمل، للمسؤوليات من تربية وتعليم وتكوين أسرة وخلافه .. كنا نفرح بأشياء صغيرة لم نكن نتخيلها عندما كبرنا؛ كصوت الباب وعودة الأب، وصوت الأم يتردد في أرجاء الغرف، وصوت الرعد ونزول ورائحة المطر . كل ذلك في بيت لم يكن واسعاً ولكنه كان يتسع لنا جميعاً بنفوس طيبة صافية نقية تقية ..
وفجأة تسارعت بنا الأحداث وتطورت الصناعات والمعاملات والنظم، وتغيرت ملامحنا وشابت شعورنا وانحنت ظهورنا بعد أن أدينا واجباتنا ومسؤولياتنا التي كانت منوطة بنا على أكمل وجه ، وبقيت كثير من ذكرياتنا واقفة صامدة لم ولن تغيرها الأيام . فكلما تقدم بنا العمر تعود بنا الذكريات لأيام الطفولة والشباب، فنشعر بها ونتحسسها بمشاعرنا من دواخلنا وكأنها ما زالت معنا وتسير بجوارنا، فنشعر بسعادة متناهية ونعيش معها وبها، وتعطينا دافعاً قوياً لمواصلة المسير بروح الشباب ..
ولكن .. عند هدوء الليل وعندما يسدل أستاره، تزورنا أصوات غابت عنا في الحقيقة ولكنها تعيش معنا في قلوبنا وعقولنا ولن ننساها، وهي تنادينا وتناجينا وتناقشنا وتجعل في داخل كل كبير منا طفلاً صغيراً لم يعرف أننا كبرنا وشاخ الجسد . ونتمنى أن تعود إلينا ضحكة أم كانت تملأ البيت دفئاً وحناناً، ونظرة أب بعطف كان يخفي وراءها تعبه ليزرع فينا الأمان ويحثنا على المسير قدماً .
ولعبنا في الحارة والقرية بلا خوف، وقطعة الخبز التي كنا نتقاسمها وكأنها وليمة، ورائحة القهوة فائحة في مجلس لا يخلو من الحكمة والطيبين ..
الأيام أخذت منا الصحة والقوة والأحبة ورفاق الدرب، وأخذت منا بيوت الطين القديمة ولمتها، وأخذت منا تلك البساطة التي كنا ننام فيها قريري الأعين لا همّ ولا قلق، ولكنها لم تستطع أن تأخذ منا صفاء قلوبنا ولا صدق ذكرياتنا ..
فنحن اليوم لا نبكي ضعفاً بل شوقاً وحنيناً، ولا نبكي لأننا كبرنا بل لأننا اشتقنا لمن كنا معهم صغاراً ..
تلك الذكريات هي زادنا في رحلة العمر المتبقية، نستند عليها كلما أتعبنا وطال بنا الطريق ..
فيا أيها العمر بنا تلطف وتمهل، ويا أيتها الذكرى الجميلة ابقي معنا فأنتِ أنس وحدتنا وجمالها، ويا أيها الليل رفقاً بنا فقلوبنا ما زالت تحفظ أسماء الأحبة الغاليين والأصدقاء رفاق الدرب، ووجوههم وإن غابت عن العيون فهي حاضرة في العقل والوجدان. لقد أخذت منا الأيام كل شيء إلا حنيناً يسكننا، وطفلاً صغيراً في داخلنا يرفض أن يكبر مهما طال بنا العمر .
وختاماً :
اخذت منا الأيام ما أخذت ..
وتركت لنا الذكرى نتشبث بها
فما أروعها وأجملها من ذكرى ..
تُذكرنا بأحبتنا وأيامنا الحلوه .