|

أحمد العبيكان.. رجل أحب الناس فأحبوه

الكاتب : الحدث 2026-08-29 06:04:52


بقلم - صالح شبرق 

ثمة رجال لا تحتاج إلى أن تسأل عنهم كثيرا فمحبة الناس تختصر سيرتهم وما يقال عنهم في غيابهم يكشف حقيقة حضورهم بينهم. وأحمد العبيكان واحد من أولئك الذين سبقت مواقفهم أسماءهم وصنعت أخلاقهم مكانتهم في القلوب قبل المجالس. رجل يجد نفسه بين الناس ويجد الناس فيه بساطة القريب ووفاء الصديق وقلب الإنسان الذي يعرف طريقه إلى الخير دون ضجيج.
ولعل أجمل ما يمكن أن تبدأ به سيرة العبيكان أنه رجل يحب الناس ويحبونه ولا أدل على ذلك من حضوره بينهم وقربه منهم والتفافهم حوله في مناسبات الحياة المختلفة. وتلك منزلة لا تمنحها الأسماء ولا تصنعها الوجاهة ولا تأتي بقرار بل هي حصيلة سنوات من المعاملة الطيبة والتواضع والسؤال عن الآخرين والوقوف معهم وجبر الخواطر. فمحبة الناس شهادة لا تكتب على الورق وإنما تحفظها القلوب.
ينتمي أحمد العبيكان إلى أسرة عريقة عرفت بمكانتها وحضورها الاجتماعي غير أن أجمل ما حمله من ذلك الإرث ليس الاسم وحده بل منظومة من القيم التي تربى عليها في بيت عرف الدين والكرم والرحمة وصلة الرحم والإحسان إلى الناس. وفي قلب ذلك البيت تقف سيرة والدته رحمها الله بوصفها واحدا من أجمل مفاتيح شخصية الابن. كانت امرأة صالحة دينة خيرة محبة للصدقة ذات قلب رحيم ومن أولئك الأمهات اللواتي يصنعن أثرهن بهدوء ويزرعن الخير دون انتظار ثناء. لم تكن الرحمة عندها حديثا يقال بل سلوكا يرى ولم تكن الصدقة فعلا عابرا بل بابا تحبه وتسعى إليه. كان قلبها مفتوحا للناس ويدها ممتدة بالخير ما استطاعت إليه سبيلا.
ومن الطبيعي أن تترك أم بهذه الصفات شيئا كثيرا منها في أبنائها فالصدقة التي يتوارثها الأبناء ليست مالا فقط وإنما تربية تبدأ من البيت حين يرى الابن أمه تجبر خاطر محتاج وتعين ضعيفا وتبحث عن أبواب الخير فيتعلم منذ وقت مبكر أن أجمل ما يملكه الإنسان هو ما يستطيع أن يقدمه للآخرين. رحلت الأم رحمها الله لكن الغرس بقي وبقي شيء من روحها في الابن وفي علاقته بالناس وفي ميله إلى الصدقة وفي حضوره في ميادين البر والعمل الاجتماعي. فبعض الأمهات لا يرحلن تماما بل يواصلن الحياة في أخلاق أبنائهن ونراهن في يد تمتد لمحتاج وفي خاطر يجبر وفي يتيم يفرح وفي كبير سن يجد من يسأل عنه وفي عمل خير قد لا يعرف الناس صاحبه لكن الله يعلمه.
ومن هنا يمكن فهم علاقة أحمد العبيكان بالعمل الخيري والاجتماعي فهي ليست حضورا موسميا ولا صورة تلتقط في مناسبة بقدر ما تبدو امتدادا لتربية قديمة وإيمانا بأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها. ولهذا ارتبط اسمه بعدد من الجمعيات والمبادرات الاجتماعية والخيرية ووجد في خدمة كبار السن والأيتام والمحتاجين والعمل التطوعي مساحة قريبة من قلبه.
وعلى الرغم من حضوره المعروف في قطاع الأعمال فإن ذلك لا يختصر شخصيته فالأهم هو الإنسان خلف الاسم. الرجل الذي لم تعزله مسؤولياته عن المجتمع ولم تصنع بينه وبين الناس مسافة. ظل قريبا منهم يشاركهم مناسباتهم ويسأل عن أحوالهم ويقف معهم ويبادلهم الوفاء بالوفاء والمحبة بالمحبة.
واللافت في شخصية العبيكان أن فعل الخير لديه لا يبدو منفصلا عن حياته اليومية. فهناك من يمارس العمل الاجتماعي باعتباره مهمة وهناك من يصبح الخير جزءا من تكوينه. والفرق بين الحالتين كبير لأن الأولى تنتهي بانتهاء المناسبة أما الثانية فتبقى ما بقي الإنسان.
وفي زمن أصبحت فيه بعض العلاقات تقاس بالمصالح تظل القدرة على الاحتفاظ بمحبة الناس ثروة من نوع آخر. ثروة لا تحفظها الخزائن ولا تصنعها الألقاب وإنما تبنيها الأخلاق والمواقف. وأحمد العبيكان يملك من هذه الثروة نصيبا ظاهرا لأن من يعرفونه لا يتحدثون فقط عما أنجز بل عن طيبته وقربه ووفائه ومحبته للخير.
وربما يكون أجمل الوفاء لوالدته رحمها الله أن يظل ما زرعته حيا فيه وأن تستمر صدقتها في صدقته ورحمتها في رحمته وحبها للخير في أبواب خير يفتحها لغيره. فليس أعظم من أن يرحل الوالدان ويبقى أثر تربيتهما يمشي على الأرض.
هكذا يمكن قراءة أحمد العبيكان بعيدا عن الأرقام والمناصب. رجل من الناس وللناس حمل من بيته إرثا من الرحمة ومن أسرته قيمة الاسم حين يقترن بالفعل ومن والدته قلبا يعرف معنى الصدقة.
قد تنسى المجالس كثيرا من الأسماء والمناصب لكن الناس لا ينسون من أحبهم ولا ينسون يدا امتدت إليهم في وقت الحاجة ولا قلبا جبر خواطرهم. وأحسب أن أجمل ما في سيرة أحمد العبيكان أن الناس حين يذكرونه يبتسمون.

وتلك وحدها سيرة تستحق أن تكتب.