الفضول الصحفي وحدود الأمانة السياسية
المستشار ـ محمد أبوهتله
يحرص الصحفي بطبيعة مهنته على الوصول إلى الحقيقة، وكشف ما خفي من الوقائع، وإحاطة الرأي العام بما يدور خلف الكواليس. وهذا حق مهني أصيل، بل هو من أهم أدوار الإعلام في المجتمعات. غير أن هذا الفضول المشروع يقف أحيانًا عند حدود لا يجوز تجاوزها، عندما يتعلق الأمر بأسرار الدولة أو بالأمانة التي يحملها المسؤول، وهي أمانة لا تنتهي بانتهاء المنصب، ولا تسقط بمغادرة صاحبه موقع المسؤولية.
وتتكرر في وسائل الإعلام لقاءات مع مسؤولين وسياسيين سابقين، يسعى خلالها بعض الصحفيين إلى انتزاع إجابات عن ملفات حساسة أو أحداث مضى عليها زمن طويل، ظنًا منهم أن تكرار السؤال، أو إعادة صياغته، أو ممارسة شيء من الضغط الإعلامي، قد يدفع الضيف إلى كشف ما ظل حبيس الكتمان.
غير أن هذا التصور لا ينسجم دائمًا مع طبيعة العمل السياسي؛ فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُسأل عنه تجب الإجابة عليه.
فالعمل السياسي ليس مجرد تصريحات أو مؤتمرات صحفية، بل هو مسؤولية وطنية تقوم على حفظ الأمانة قبل الإدلاء بالمعلومات. وهناك ملفات تتعلق بأمن الدولة، أو بعلاقاتها مع الدول الأخرى، أو بقراراتها السيادية، أو بأشخاص، أو بوقائع لم يحن الوقت للإفصاح عنها. وهذه الأسرار لا تصبح مباحة بمجرد مغادرة المسؤول منصبه، بل تبقى أمانة في عنقه ما بقيت المصلحة العامة قائمة.
ولهذا فإن السياسي الذي يرفض الإجابة عن سؤال معين لا ينبغي أن يُوصف بالمراوغ أو المتحفظ على نحو سلبي، بل قد يكون أكثر وفاءً للقسم الذي أداه يوم تولى مسؤوليته، وأكثر التزامًا بما تمليه عليه الوطنية وأخلاقيات المنصب. فالأمانة لا تتقاعد، والالتزام لا ينتهي بانتهاء التكليف.
ومن المؤسف أن بعض المحاورين يكرر السؤال مرات عديدة، وكأن الإلحاح سيغيّر موقف الضيف أو سيدفعه إلى تجاوز ما يفرضه عليه واجبه. والحقيقة أن السياسي الذي اتخذ قرارًا بعدم الإفصاح لن يغير موقفه مهما اختلفت صياغة الأسئلة أو تنوعت وسائل الضغط، لأنه يدرك جيدًا الحدود الفاصلة بين ما يجوز قوله وما يجب أن يبقى طي الكتمان.
إن الصحفي المتميز ليس من ينتزع أسرارًا لا يجوز كشفها، وإنما من يدرك طبيعة العمل السياسي، ويعرف متى يكتفي بالإجابة المتاحة، ومتى ينتقل إلى سؤال آخر يثري الحوار ويقدم للمتلقي معرفة نافعة. فاحترام رفض الضيف للإجابة لا ينتقص من قيمة الحوار، بل يعكس نضجًا مهنيًا، وفهمًا عميقًا لدور الإعلام وحدوده.
كما أن من الخطأ تفسير كل امتناع عن الإجابة بأنه تهرب أو ضعف أو خوف؛ فقد يكون الصمت في بعض المواقف هو الموقف الأكثر مسؤولية، وربما كان أبلغ من كثير من الكلمات، لأن المسؤول لا يتحدث باسم نفسه فحسب، بل يحمل مسؤولية وطنية تتجاوز شخصه ومنصبه.
ولعل ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما شاهدته في أحد اللقاءات التلفزيونية مع وزير الصحة المصري السابق، حيث بدا متحفظًا في الإجابة عن عدد من الأسئلة التي وُجهت إليه. وكان المحاور يعيد السؤال مرة بعد أخرى، محاولًا الحصول على إجابة أكثر صراحة، إلا أن الوزير، بما يمتلكه من خبرة سياسية طويلة، تعامل مع الموقف بهدوء ودبلوماسية؛ فكان يعتذر عن الإجابة حينًا، ويعيد توجيه الحديث حينًا آخر، دون أن يخل بأدب الحوار أو يفقد احترام محاوره.
وقد لفت انتباهي في ذلك اللقاء أن الحكمة السياسية كانت حاضرة أكثر من الرغبة في إشباع الفضول الإعلامي؛ فالمسؤول الذي قضى سنوات في العمل العام يعلم أن بعض المعلومات تبقى ملكًا للدولة لا للأشخاص، وأن المنصب قد يزول، لكن الأمانة تبقى، والقسم الذي أداه لا يسقط بانتهاء مهمته.
إن العلاقة بين الإعلام والسياسة ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل؛ فللصحفي كامل الحق في السؤال، وللسياسي كامل الحق في الامتناع عن الإجابة عندما تقتضي المصلحة العامة أو تملي عليه الأمانة ذلك. فحرية السؤال لا تعني إلزام المسؤول بالإجابة عن كل شيء، كما أن واجب الكتمان لا ينتقص من حق الإعلام في ممارسة دوره المهني.
وعندما يدرك كل طرف حدود دوره، تتحول اللقاءات السياسية من محاولات لاصطياد الأسرار إلى حوارات واعية تثري الرأي العام، وتعزز الثقة، وتحترم مؤسسات الدولة، وتخدم الحقيقة دون الإضرار بالمصلحة الوطنية.
ويبقى المبدأ الذي لا يتغير: ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُسأل عنه تجب الإجابة عليه. فهناك أسرار تبقى ملكًا للدولة، وأمانات يحملها الرجال حتى بعد أن يغادروا مناصبهم، وتلك هي إحدى القيم التي تحفظ للأوطان أمنها، وللمسؤولين شرف الأمانة، وللإعلام رسالته النبيلة .