|

ما أسرع الأيام .. في زمن الغفلة

الكاتب : الحدث 2026-07-02 06:43:27

بقلم : د/سلمان الغريبي
مدير تحرير _ رئيس قسم المقالات

----------------------------
بين سرعة الزمن وقصر الأمل في زمن الغفلة كيف نربح سباق العمر قبل أن يسبقنا ونندم عليه ..؟! فعندما تمر الأيام بنا مُسرعة كسرعة البرق ، حتى لا يكاد المرء يشعر بها فكيف إنقضت السنة واصبحت كالشهر ؟ وكيف انقضى الشهر واصبح كالإسبوع ؟ ، وكيف انطوى الإسبوع واصبح كاليوم واليوم كالساعة .. نستيقظ فنجد أنفسنا في عالم آخر من التقنيات وعجائب الدهر كأنها بالأمس كانت بداية مُستحيلة ، ولم نتخيلها في طفولتنا و شبابنا .. هذه السرعة ليست مجرد أوهام و شعور يمر بنا وننساه بل هي حقيقة وواقع ملموس يمر بنا و يغفل عنها الكثيرون وللأسف منا ، فعمر الإنسان يمضي "بين طرفة عين وإنتباهتها "، بينما كثيرٌ من الناس منشغلون بجمع الأموال التي ربما لا يصرفونها وتكون فتنة على من سيتورثها من الأجيال القادمة ، وبناء البيوت التي قد لا يسكنونها وتباع في المزاد العلني بثمن بخس ، والتخطيط لمستقبل غامض لا تستطيع ان تجزم عليه ، وايضاً هناك من يجري وراء اوهام لا حقيقة لها لزرع الفتنة بين الأقارب والجيران بقصد الرفعة الكاذبة وحب الظهور الواهي ، فالحياة مهما اعطتك وكذبت فيها وراوغت بالنفاق والتدليس والهياط هي : دار فناء لا بقاء و دار ممر لا دار مقر تتقلب فيها أحوالنا ، وتضعف فيها صحتنا مهما تداوينا وتغذينا ومشينا للرياضة والنشاط ، فها نحن في كل عام نودع عاماً ونستقبل آخر ، دون أن ندرك او نستوعب أننا نقترب خطوة بخطوة من آجالنا المحتومة ، وأما تمعنتم في قول الله تعالى عز وجل عندما يسأل أهل القبور يوم القيامة : "كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟" فيكون الجواب الصادم : "لبثنا يوماً أو بعض يوم" ، ولم تفكر ولو لبرهة أين ذهب جمال الدنيا وعرضها وطولها؟ و كأنها لم تكن ، ولم يبق فيها إلا الاثر الطيب و العمل الصالح الذي قدمه الإنسان إبتغاء مرضاة ربه .

وأيضاً إحذروا من خطورة فخاخ الشيطان وشراكه والأماني الواهية التي يوقعكم فيها ، كسوف أتوب غداً ، سوف أبدأ الصلاة الأسبوع القادم ، سوف أتصدق عندما يزيد راتبي وهكذا دواليك ، لكن الحقيقة أن "سوف" هذه هي مقبرة الأعمال الصالحة فالغد غير مضمون والساعة القادمة في علم الغيب و من يضمن له أن يستيقظ بعد نومه؟ ومن يضمن له أن يكمل جملته التي يقولها الآن او لقمته التي يتناولها في يده ..؟! إن التأجيل وهم ليس له أمان و هو أن تعيش وكأن لك عقداً مفتوحاً مع الحياة وهذا هراء لاصحة له ، والحقيقة أننا نعيش على أنفاس واقدار من الله معدودة لا نعلم متى ينتهي آخرها وما هي نهايتها .. فالشباب ليس ضمانة لك ، والشيخوخة ليست عذراً تحتج به ، فلا الصبية تبقى صبية ، ولا الصغيرة صغيرة. ، فالشباب قوة لكنه يمضي وكأنه لم يكون ، والشيخوخة ضعف وسوف يكون لا محالة و لكنها لا تعفي من الحساب والعقاب ، والعمر ليس له نسخة احتياطية او نستطيع عمل " تحديث " له ولا يمكنك أن تعود لعشرينات عمرك لتغير قرار إتخذته سابقاً ، أو لإصلاح تقصير ما ، فكل يوم يمضي في حياتك هو صفحة طويت من كتابك ، ولن تعاد كتابتها أبداً ، إن سرعة الأيام ليست دعوة للتشاؤم ، بل هي جرس إنذار يدق بقوة للتنيه والرجوع والتوبة فماذا علينا أن نفعل اليوم قبل فوات الفرصة ، فَصٍلوا من قطعكم ، وعودوا المريض ، وسلموا على من تعرفون ومن لا تعرفون ، فالقطيعة تقصر العمر وتقل البركة ، والصلة تزيد قوة ونظارة ، تسامحوا ، وتحاببوا ، وطهروا قلوبكم من الغل والحقد والحسد ، وردوا الحقوق لأهلها ولاتنكروا الجميل والمعروف ، فأثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة هو حسن الخلق و حافظوا على الصلوات في اوقاتها ، وأكثروا من الاستغفار وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وتصدقوا ولو بالقليل ، فالصدقة تطفئ غضب الرب و اجعلوا للقرآن ورداً يومياً ولو صفحة واحدة في حياتكم اقرؤوه وتدبروه ، فهو النور الذي يهدي في ظلمات الغفلة ، وهو الشفيع الذي يشفع لأصحابه يوم القيامة ، يقول الإمام علي رضي الله عنه : "ارتحلت الدنيا مدبرة ، وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا" ، فاليوم يوم عمل بلا حساب ، وغداً يوم حساب بلا عمل ، والله أقسم بالعصر على الإنسان وفيه الخسران إلا من آمن وعمل صالحاً وتواصى بالحق وتواصى بالصبر ، فتناصحوا فيما بينكم وتدارسوا امور دينكم ، وذكروا بعضكم بما ينفعكم في دينكم ودنياكم وأخرتكم فالدال على الخير كفاعله .. والله من وراء القصد .