|

"حين يختفي الوقت"

الكاتب : الحدث 2026-06-30 07:48:46

بقلم: د. بجاد خلف البديري
مستشار الشراكات الاستراتيجيّة

هل سبق أن انغمست بعمل أو فكرة أو مشروع إلى درجة أنّك رفعت رأسك فجأة لتكتشف أن ساعات طويلة قد مرّت دون أن تشعر؟

وكأنّ الزّمن اختفى.
لا هاتف يشدّ انتباهك، ولا ملل يتسلّل إليك، ولا رغبة في التّوقف أو الهروب. فقط أنت وما تقوم به، في حالة نادرة من الانسجام الكامل بين العقل والوجدان والانصهار في الوقت.

هذه اللّحظات ليست مرتبطة دائماً بالعباقرة أو المبدعين أو أصحاب المواهب الاستثنائيّة كما يعتقد البعض.

بل هي حالة إنسانيّة يمكن أن يعيشها أي شخص حين يلتقي الشّغف بالمعنى، ويلتقي الجهد بالرّغبة، ويلتقي الإنسان بما يحبّ أن يكون.

المثير للاهتمام أن معظم الناس يقضون سنوات طويلة وهم يبحثون عن الرّاحة، بينما أكثر لحظاتهم سعادةً غالباً لا تكون في الرّاحة أصلاً.

فالشّعور العميق بالرّضا لا يأتي دائماً من الاستلقاء أو التّرفيه أو الهروب من المسؤوليّات، بل يأتي أحيانًا من الانغماس الكامل في مهمّة تستحق أن نبذل من أجلها الجّهد.

ولذلك نجد أن الإنسان قد يخرج مرهقاً من عمل يحبّه، لكنه يشعر بالامتلاء؛ بينما يخرج من يوم كامل بلا إنجاز حقيقيّ، وهو أكثر تعبًا وأقلّ رضا.
الفرق ليس في كميّة الجهد المبذول، بل في طبيعة العلاقة بين الإنسان وما يفعله.

فحين يعمل الإنسان في شيء لا يؤمن به، يبدأ بمراقبة عقارب السّاعة؛ أما حين يجد ما يستحقّ اهتمامه حقاً، فإن السّاعة هي الّتي تتوقّف عن مراقبته.

وربّما لهذا السّبب أيضًا، لم يحقّق كثير من النّاجحين نجاحهم لأنّهم كانوا أقلّ تعرّضًا لمغريات عصر التّشتّت، بل لأنّهم أدركوا مبكرًا قيمة الوقت وتعاملوا معه بوصفه أصلًا لا يمكن تعويضه. وفي زمنٍ أصبح فيه الانتباه سلعةً تتنافس عليها المنصّات والتطبيقات والشّاشات، فهموا أنّ معركتهم الحقيقيّة لا تتعلّق بالوقت وحده، بل بالتركيز الذي يوجّه ذلك الوقت ويمنحه قيمته. لذلك لم يتركوا انتباههم نهبًا لما يُعرف اليوم باقتصاد الانتباه، بل تعلّموا أن يحرسوه ويوجّهوه نحو ما يضيف قيمةً حقيقيّة إلى حياتهم وأعمالهم. وبينما كان كثيرون ينتقلون من إشعارٍ إلى آخر ومن اهتمامٍ إلى آخر، كانوا يمنحون أفكارهم الوقت الكافي لتنضج؛ لأنّهم أدركوا أنّ الإنجازات الكبرى لا تولد في العقول المزدحمة، بل في العقول القادرة على البقاء مع فكرةٍ واحدة حتى تؤتي ثمارها. وكانوا يعلمون أنّ كلّ دقيقة تُستهلك في ما لا أهمية له قد تُنتزع من مشروعٍ أو فكرةٍ أو إنجازٍ كان يمكن أن يصنع فرقًا.

ولهذا أصبح التّركيز عملةً نادرة.
وأصبح الانغماس الحقيقيّ مهارة تحتاج إلى تدريب وصبر ومقاومة مستمرّة لضجيج العالم من حولنا.


وفي النّهاية...
قد لا يكون السّؤال الأهمّ في الحياة: كم ساعة عملت؟
بل: كم مرّة عشت تلك اللّحظة التي اختفى فيها الوقت لأنّك كنت في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه، وتفعل الشّيء الّذي تؤمن به حقّاً؟
ففي تلك اللّحظات تحديداً، لا يصبح العمل مجرّد عمل...
بل يتحوّل إلى جزء من معنى الحياة نفسها.