حين تُدار العقول الكبيرة بعقولٍ أقل إدراكًا
بقلم: المستشار محمد بن سعيد أبوهتله
في كل مجتمع، هناك فئة استثنائية لا تُقاس قيمتها بالمناصب، ولا تُختزل في الألقاب، بل تُعرف بعمق رؤيتها، وجرأة أفكارها، ونظرتها المستقبلية، واتساع أفقها. هؤلاء هم الذين يلتقطون الفرص حيث لا يراها غيرهم، ويصنعون من التحديات بداياتٍ جديدة، ويحملون في داخلهم طموحًا لا يقف عند حدود المألوف.
غير أن الإشكالية المؤلمة تبدأ حين يجد هؤلاء أنفسهم تحت مظلاتٍ إدارية لا تُشبههم، ولا ترتقي إلى مستوى ما يحملونه من وعيٍ وفكر. هنا لا يكون التباين مجرد اختلاف طبيعي في القدرات، بل يتحول إلى فجوةٍ تعيق الفكرة، وتُربك الطموح، وتُثقل كاهل الإبداع بقيودٍ غير مرئية.
وفي بعض البيئات المهنية، حيث يُفترض أن تكون المساحة رحبةً للفكر والتعبير، تتسلل معايير ضيقة لا تُعلن صراحة، لكنها تُمارس بهدوء؛ فيُقدَّم الشكل على الجوهر، ويُفضَّل المألوف على المختلف، وتُقاس الجودة بما اعتاده البعض، لا بما تستحقه الفكرة. وقد تُبنى معايير التقييم أحيانًا على اعتباراتٍ شخصية، لا على أسسٍ موضوعية، وعندها يصبح الإبداع خروجًا عن النسق، بدلًا من أن يكون إضافةً له.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن بعض مواقع القرار لا تُدار برؤيةٍ تستوعب التنوع، بل بمنطقٍ يُملي ما ينبغي أن يُقال وكيف يُقال؛ فينحسر هامش المبادرة، وتبهت روح التجديد. ومع مرور الوقت، لا يخسر أصحاب الفكر وحدهم، بل تخسر المنظومة بأكملها قدرتها على التطور، وتفقد أحد أهم عناصر تميزها: العقلية المبدعة.
إن إسناد المسؤوليات لمن لا يملكون أدواتها ليس خللًا عابرًا، بل هو اختلال في ميزان التقدير، وقد نُبّه إلى خطورته منذ القدم؛ لأن نتائجه لا تقف عند حدود فرد، بل تمتد لتطال بيئةً كاملة، فتُضعفها وتُفقدها توازنها.
ومع ذلك، فإن أصحاب الرؤى الحقيقية لا ينطفئون، وإن تعثرت طرقهم، ولا يتخلون عن رسالتهم، وإن ضاقت المساحات. لكن الإنصاف يقتضي أن تُفتح الأبواب لمن يملك القدرة، وأن يُفسح المجال للفكرة أن تُقاس بوزنها الحقيقي، لا بمدى توافقها مع أفقٍ محدود.
فالنجاح ليس في إدارة الواقع كما هو، بل في القدرة على الارتقاء به. وحين تُدار العقول الكبيرة بعقولٍ تدرك قيمتها، يتحول الطموح إلى إنجاز، والفكرة إلى أثر… وتبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى .