حين تتحول المنصات إلى محاكم… من يحمي الحقيقة؟
خيرية حتاته
في زمن لم تعد فيه الأخبار تنتظر نشرات المساء، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتداول القصص والأحداث والاتهامات أيضًا. بضغطة زر يمكن أن تتحول حادثة عابرة أو مقطع مجتزأ إلى قضية رأي عام، يتصدر فيها الحكم قبل أن تُعرف الحقيقة كاملة.
المشكلة ليست في سرعة تداول المعلومات فحسب، بل في تحوّل المنصات الرقمية إلى ما يشبه “المحاكم الشعبية”، حيث يتولى المستخدمون دور القاضي والمدعي العام في الوقت ذاته. فبمجرد انتشار رواية معينة، يبدأ سيل من التعليقات والاتهامات والأحكام القاسية، دون انتظار تحقق أو توضيح.
لقد غيّرت المنصات الرقمية شكل الرأي العام، وأصبح التأثير فيها لحظيًا وسريعًا، لكن السرعة لا تعني بالضرورة الدقة. فالمعلومة الناقصة قد تتحول إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس، والشائعة قد تنتشر أسرع من أي تصحيح لاحق.
في هذا المشهد المتسارع، تصبح مسؤولية الإعلام أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل ما يتداول، بل يتحقق، يوازن بين الروايات، ويضع الحدث في سياقه الصحيح. فالكلمة المنشورة ليست مجرد محتوى عابر، بل قد تصنع رأيًا عامًا أو تدمّر سمعة إنسان.
كما تقع مسؤولية كبيرة على المستخدمين أنفسهم. فالمشاركة في نشر معلومة غير مؤكدة ليست فعلًا بريئًا كما يعتقد البعض، بل قد تكون مساهمة مباشرة في صناعة ظلم رقمي يصعب إصلاحه لاحقًا.
الحقيقة تحتاج إلى وقت لتظهر، بينما الشائعة لا تحتاج سوى لحظة لتنتشر. وبين اللحظة والوقت تتشكل مواقف الناس، وتتأثر حياة أشخاص ربما لم تتح لهم الفرصة حتى للدفاع عن أنفسهم.
لذلك، في زمن الضجيج الرقمي، يصبح السؤال الأهم: هل نريد أن تكون المنصات مساحة للنقاش الواعي، أم ساحات لإصدار الأحكام السريعة؟ فالمجتمعات التي تحمي الحقيقة هي تلك التي تدرك أن العدالة لا تُصنع في التعليقات، وأن الحكم العادل يحتاج إلى معرفة كاملة لا إلى انطباع عابر.