الحالة الثقافية السعودية: عقد من الرؤية
بقلم خليل القريبي – مستشار ثقافي وإعلامي
حمل تقرير الحالة الثقافية لعام 2025م، الذي نشرته وزارة الثقافة، قبل أيام، تحت عنوان «عقد من الرؤية»، دلالة تجاوزت حدود التوثيق السنوي للحراك الثقافي، فقد وضعنا التقرير أمام مشهد وطني يستحق التأمل في مسيرته وتحولاته، وما أحدثته رؤية 2030 من نقلة عميقة في حضور الثقافة ومكانتها في المجتمع. ولعل أجمل ما في هذه المسيرة أن الثقافة أخذت تستعيد حضورها الطبيعي في تفاصيل الحياة، مستندة إلى إرث حضاري عريق، وإلى مشروع وطني منح الإبداع مساحات واسعة للنمو والتعبير، وأصبحنا نرى أثر ذلك في المدن والجامعات والمسارح والمكتبات، وفي مختلف المقاهي التي تحولت إلى صوالين أدبية وثقافية مؤثرة، وفي كافة المبادرات الاخرى التي يقودها أبناء الوطن بشغف وثقة.
ومن واقع ممارستي في العمل الثقافي والإعلامي، أجد أن التحول الأهم يتصل بتعزيز نظرتنا إلى الثقافة ذاتها؛ فقد أصبحت مجالًا رحبًا للعمل والإنتاج والاستثمار، ومساحة يلتقي فيها المبدع بالمؤسسة والجمهور، وتتقاطع فيها المعرفة مع الاقتصاد والهوية مع الانفتاح على العالم. واللافت أن هذا الحراك أتاح للمشهد الثقافي أن يقدم تنوعه بصورة أوسع، وأن يمنح الموروث المحلي فرصًا جديدة للحضور والتجدد؛ فكل منطقة من مناطق المملكة تحمل ذاكرة ثقافية ثرية، ومع اتساع المبادرات والبرامج، أصبحت هذه الذاكرة مصدر إلهام لتجارب إبداعية تعبر عن خصوصية المكان وتثري الهوية الوطنية الجامعة.
ويُحسب لوزارة الثقافة منذ إنشائها، بقيادة صاحب السمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، ما تحقق من بناء مؤسسي وتنظيمي أسهم في توفير بيئة أكثر اتساعًا للمبدعين، وفتح آفاقًا للشراكات والمبادرات الثقافية، وقد كان لهذا العمل المتراكم أثره في تعزيز حضور ثقافتنا السعودية محليًا ودوليًا.
ومن الجوانب التي استوقفتني في التقرير أنه قدم فرصة لقراءة المشهد الثقافي باعتباره تجربة وطنية متكاملة، شاركت في صناعتها هيئات، ومؤسسات حكومية وخاصة وغير ربحية، إلى جانب المبدعين والممارسين والجمهور، في صورة عكست اتساع المشاركة وتكامل الأدوار. وبعد عقد من الرؤية، بدت ثقافتنا الوطنية أكثر حضورًا وثقة بقدرتها على التعبير عن الإنسان والمكان، وأكثر اتصالًا بمستقبل وطن جعل من هويته الحضارية ركيزة في مشروع نهضته. إننا أمام مسيرة ثقافية تتجدد مع كل تجربة، وتزداد ثراءً مع كل موهبة تجد طريقها إلى الإبداع، وكل مبادرة تضيف إلى ذاكرة الوطن حكاية جديدة تستحق أن تُروى.