موقف عابر.. وأثر باقٍ

الكاتب : الحدث 2026-10-23 03:33:59

 

بقلم ــ نوف الغامدي

سبحان الله، ما أقصر الدنيا، وما أعجب أقدارها!
بالأمس، كنت في مطار الدمام، أقف بالقرب من إحدى بوابات المغادرة، وسط حركة المسافرين وازدحام المكان، حين مرّ بجانبي شخص خُيّل إليّ أنني أعرفه من ظهوره العام. التفتُّ إليه للحظة، ثم مضى في طريقه، ومضيت في شأني، دون حديث أو معرفة مؤكدة بهويته.
كان موقفًا بسيطًا لم يستغرق سوى ثوانٍ، ولم يخطر ببالي أنني سأستعيده في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي، صادفت أحاديث متداولة عن خبر وفاة منسوب إلى أحد الأشخاص، دون أن أتحقق من صحته أو تفاصيله. ولسبب لا أعلمه، عاد إلى ذهني ذلك الوجه الذي لمحته في المطار، وتساءلت بيني وبين نفسي: هل يمكن أن يكون الشخص ذاته؟
لم يكن الأمر أكثر من خاطر عابر وتساؤل لم أجد له إجابة، فلا أملك ما يؤكد هوية من رأيت، ولا ما يثبت صحة ما جرى تداوله. لكن تلك المصادفة أثارت في نفسي تأملات كثيرة حول الحياة وتقلباتها، وكيف يمكن للحظة قصيرة أن تبقى في الذاكرة أكثر مما نتوقع.
تأملت كيف نمضي في هذه الدنيا، نلتقي وجوهًا لا نعرف حكاياتها، ونعبر بجانب أشخاص لا ندري ما تخبئه لهم الأيام. نخطط للغد، ونؤجل كلمات المحبة، وننشغل بتفاصيل الحياة، وكأن الأيام مضمونة، بينما الحقيقة أن العمر كله بيد الله.
فالدنيا دار لقاء ووداع، تتبدل فيها الأحوال، وتتغير فيها الوجوه والمواقف، ولا يبقى للإنسان في ذاكرة الآخرين إلا ما يتركه من أثر حسن وذكر طيب.
ولعل ما استوقفني في هذا الموقف أن الحياة أقصر من أن نملأها بالخصام والكره والقطيعة، وأن الكلمة الطيبة، وصفاء القلب، وحسن التعامل مع الآخرين، من أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في طريقه.
لم تكن بيننا معرفة شخصية، ولم يحدث ما يستدعي رواية تفاصيل أكثر، لكن الموقف جعلني أتأمل في قِصر الدنيا، وفي أشخاص نراهم للحظات ثم تمضي بنا وبهم الطرق، دون أن نعلم ما تحمله الأيام.
وأكتب هذه الكلمات بوصفها تأملًا شخصيًا أثارته مصادفة عابرة، لا تأكيدًا لأي خبر متداول، ولا ربطًا بين شخص بعينه وما نُشر عنه، احترامًا لخصوصية الناس ومشاعر أسرهم.
سبحان من بيده الأعمار، وإليه المصير.
اللهم اجعل لنا في هذه الدنيا أثرًا طيبًا، وذكرًا حسنًا، وقلوبًا لا تحمل إلا الخير، وأعمالًا صالحة تبقى لنا حين تنتهي رحلتنا.
ونسأل الله الرحمة لجميع موتى المسلمين، والسكينة والطمأنينة لكل قلب أثقله الحزن.