مجتمعنا لا خوفٌ عليه ولا هم يحزنون
بقلم ــ محمد آل درمة
مجتمعنا يُعد المجتمع المؤمن بالفطرة المحافظ على عاداته وتقاليده صاحب الخصوصية والقيم الخاصة وما وصل إليه اليوم من انفتاح ثقافي وتعدد فكري وتقبل للرأي الآخر وتوسع في قبول فقه المذاهب الأربعة دون الاقتصار على مذهب واحد والتخفيف من العمل بقاعدة سد الذرائع بل وتحليل بعض مما كان يحرمه في الماضي القريب، هذا التغير في طريقة تفكير مجتمعنا كان نتيجة حتمية متوقعة لخطفه بقوة وعنوة واقتياده قهرًا وكرهًا وتوجيهه قسرًا وجبرًا لأربعة عقود زمنية من قبل جماعات حزبية تدعى الإخوان الإرهابية والسرورية المتلبسة ثوب السلفية دون قناعة حقيقية بمنهجهم وإيمان كامل بفكرهم وبنزاهة رموزهم وقادتهم، ولكن لعدم توفر بديل آخر بذات الانتشار والقوة في المجتمع.
وسأتورع وأتجنب إثم القسم بالله بل أجزم فقط وأقول لو كانت تلك الجماعات ليست جماعات بدعية ومن الفرق الضالة ولو كانت على حق وأهدافها دينية وأجنداتها ليست دنيوية تسعى للحكم وما كان الدين إلا وسيلة للوصول لأهدافها وطريق لبلوغ أحلامها ومطيّة لتحقيق أوهامها، أقول لبارك الله عملها ونشر منهجها وأشاع فكرها وعمم عقيدتها ونصر قادتها وحفظ أتباعها من مغبة السجون وغربة الترحال والهروب وبقى أثرها في الأمة وتأثيرها في الناس حتى قيام الساعة.
والتجارة بالدين والتّنفع به ومنه بدأ منذُ زمن بعيد وقد أشار إلي ذلك العالم المسلم ابن رشد رحمه الله الذي توفى عام ٥٩٥هـ حين قال: "التجارة بالدين هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، وإذا أردت أن تتحكم فى عقل جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلافٍ ديني"، يقول الله عزَّ وجلَّ: "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم".
تلك الصحوة الرائدة في بداياتها المشوهة بعد اختطافها من قبل تلك الجماعات الحزبية الإرهابية ذات الفكر المنحرف والمنهج الخفي أنتهت للأبد بفضل الله ثم بعزم وحزم قيادتنا الحالية، واليوم نبدأ بحول الله يقظة ولا نقل صحوة فالصحوة تطلق على النائم بعدما يفيق من نومه أو السكران بعدما يصحو من سكرته، يقظة في شتى المجالات والميادين والعلوم وأهمها وأولها فهم ديننا ومنهجنا الإسلامي الحنيف فهمًا صحيحًا راسخًا كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والسير على منهج السلف الصالح وطريق أهل السنة والجماعة دون غلو ولا تفريط، يقول سبحانه وتعالى:"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك".
ومجتمعنا اليوم مجتمع متعلم متنور يصعب خداعه كما كان في السابق ولن يبتاع عقلًا يفكر ويقرر عنه، بل يفكر ويبحث ويقرر لنفسه ما يراه مناسبًا له، ولن يدع أصحاب الهوى والأجندات الحزبية يعبثون بعقله ويختطفون إرادته، فعندما يؤجر الإنسان عقله لغيره بالتأكيد سيكون تأجير منتهي بالتمليك ولن يتمكن فيما بعد من استعادة فكره وكرامته وحريته وسيدار ويوجه عن بُعد حسب ما تقتضيه مصلحة المالك!
كل راعٍ مسؤول عن رعيته وأهل بيته، وكل إنسان سيحاسب عن نفسه لا عن غيره، ويبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة لها أثر في حفظ أمن واستقرار الأمة باللين والرفق وبالتي هي أحسن، وأخيرًا أُبشر نفسي والجميع بأن بلدنا ومجتمعنا بفضلٍ من الله ورحمته "لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون".