حين يصنع الحدثُ صداه!
بقلم: علي بن أحمد الزبيدي
عضو جمعية أدبي جدة
ليست قيمة الجوائز الثقافية فيما تمنحه من دروع وشهادات فحسب، بل فيما تثيره من حراك، وتستدعيه من أسئلة، وتفتحه من آفاق أمام الإبداع وأهله، فالحدث الثقافي الناجح لا ينتهي بانتهاء حفله، وإنما تبدأ مرحلة أخرى من حضوره بما يخلّفه من أصداء ونقاشات.
لقد تابعت باهتمام بالغ حفل جائزة جمعية الأدب المهنية، وسعدت بالدعوة الكريمة التي تلقيتها لحضوره، وأسفت لعدم تمكني من المشاركة، وبحكم اهتمامي بالشأن الأدبي والثقافي، وعضويتي في "جمعية أدبي جدة"، وكتاباتي الصحفية في صحيفة "الحدث" وما سبقها من صحف شرفت بالكتابة فيها عن الأدب والثقافة وكل ما يتصل بهم، تابعت ما أعقب الجائزة من تفاعل تفاوت بين الإعجاب والنقد، ولم يفاجئني هذا الزخم؛ فالنجاح يستوجب الحضور، والفعاليات الإبداعية بطبيعتها تفتح أبواب الحوار وتستثير اختلاف الرؤى والتطلعات وتستوجب التجاذبات النقدية وسنسمع رأيًا موافقًا وآخر مخالفًا إما بقصد البناء أو الهدم!
وأرى أن الأصداء المصاحبة للجائزة، سواء أكانت مؤيدة أم ناقدة، تمثل فرصة مهمة لتطوير التجربة وتعزيز أثرها، فالإعجاب لا ينبغي أن يعفينا من التأمل، والنقد الموضوعي لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من المبادرات الجادة، وبينهما مساحة رحبة للحوار الذي ينصف المنجز، ويكشف جوانب التحسين، ويدفع بالمشهد الثقافي إلى الأمام.
إنّ قيمة الجائزة لا تُقاس بوهج حفلها وحده، بل بما تتركه من أثر في المبدعين، وما تسهم به في إثراء الحركة الأدبية، وما تتيحه من فرص لاكتشاف المواهب والاحتفاء بالتجارب المتميزة، ومن هنا فإنّ استثمار ما أثارته الجائزة من نقاش أجدى من الاكتفاء بتبادل الآراء حولها؛ فالمؤسسات الثقافية تنمو حين تحسن الإصغاء، وتراجع تجربتها، وتحول الملاحظات إلى فرص للتطوير.
ومن هذا المنطلق، أجدها فرصة لطرح مقترح توسيع مجالات الجائزة مستقبلًا لتشمل القصة والكتابة والمسرح؛ لما تمثله هذه المجالات من روافد مهمة للإبداع، ولما يمكن أن يضيفه احتضانها من تنوع وإثراء للمشهد الثقافي السعودي والعربي.
إنّ المشهد الثقافي السعودي يعيش حراكًا يستحق الدعم، ومثل هذه المبادرات جديرة بأن تتطور وتتسع، لا أن تبقى أسيرة حدود تجربتها الأولى، فالثقافة لا تزدهر بالمجاملات وحدها، ولا تتقدم بالتشكيك، وإنما بالحوار المسؤول والنقد المنصف والمبادرات التي تملك الشجاعة لتجدد نفسها.
همسة الختام ..
أثمّن خطوة جمعية الأدب المهنية، وأتطلع إلى أن تكون الأصداء التي أحدثتها الجائزة بدايةً لمرحلة أكثر نضجًا واتساعًا، فالجائزة التي تحرّك المشهد لا ينبغي أن تكتفي بوهج اللحظة، بل تجعل من صداها طريقًا إلى التطوير. والأدب أكبر من جائزة، والثقافة أوسع من منصة، والإبداع يستحق دائمًا أفقًا يتسع له.