الرياض.. عاصمة أمن الطاقة في مواجهة الأزمات
بقلم: د. محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
في أسواق الطاقة، لا تكفي القدرة على إنتاج النفط لضمان وصوله إلى المستهلكين. فبين مواقع الإنتاج والأسواق العالمية شبكة معقدة من الممرات البحرية وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، وأي اضطراب فيها قد يترك آثارًا تتجاوز حدود الدول المنتجة. ولهذا لا تكمن الميزة الاستراتيجية في امتلاك الموارد وحدها، بل في امتلاك الخيارات التي تضمن استمرار تدفقها حين تتعقد الظروف.
وتتجلى هذه الحقيقة اليوم في التجربة السعودية، في ظل تحديات إقليمية استثنائية تواجه أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وتضع موثوقية الإمدادات أمام اختبارات متزايدة.
ولعل خط أنابيب شرق - غرب من أوضح الأمثلة على قيمة التخطيط الاقتصادي بعيد المدى. فقد استثمرت المملكة قبل عقود في إنشاء مسار يربط مناطق الإنتاج في شرقها بمرافق التصدير في ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية قصوى تقارب سبعة ملايين برميل يوميًا، بما يوفر منفذًا إضافيًا للصادرات ويحد من الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز.
ولم يكن ذلك مجرد مشروع لتوسيع قدرات النقل، بل قرارًا استراتيجيًا قائمًا على إدراك أن الاعتماد على مسار واحد، مهما بلغت كفاءته، يظل مصدرًا للمخاطر. فحين تتعطل الطرق المعتادة، تصبح البدائل المُعدة مسبقًا عاملًا حاسمًا في قدرة الاقتصاد على الاستمرار.
ومن وجهة نظري، تقدم هذه التجربة مفهومًا مهمًا للجدوى الاقتصادية؛ فبعض المشروعات لا تُقاس قيمتها بالعوائد المباشرة التي تحققها في الظروف الطبيعية، وإنما بالخسائر التي تمنع وقوعها وقت الأزمات. وما يبدو تكلفة إضافية في زمن الاستقرار قد يتحول إلى أحد أهم عناصر حماية الاقتصاد حين تضطرب سلاسل الإمداد.
وتتأكد أهمية هذا النهج في تصريحات صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، خلال مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين في الرياض، عن خطط لرفع قدرة المملكة على نقل النفط عبر الأنابيب إلى نحو عشرة ملايين برميل يوميًا خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، من خلال تطوير الشبكات القائمة والاستفادة من مسارات إضافية.
وتعكس هذه الخطط أن الاستعداد لا يتوقف عند الاستثمارات السابقة، بل يتطلب تطويرًا مستمرًا للقدرات واستيعابًا لدروس المتغيرات. فتنويع المسارات لا يلغي المخاطر كليًا، لكنه يقلل الاعتماد على طريق واحد ويوسع الخيارات المتاحة عند وقوع الاضطرابات.
وهنا تتضح العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية؛ فالممرات البحرية ليست مجرد طرق لنقل السلع، بل شرايين حيوية تتأثر بالتوترات الإقليمية وموازين الأمن. وأي تعطل فيها قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤثر في أسعار الطاقة والمنتجات الصناعية، ويعيد تشكيل حسابات الشركات والمستثمرين في دول بعيدة عن مواقع التوتر.
ولا تنفصل هذه المعادلة عن القانون الدولي المنظم للملاحة والتجارة. فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنظم حق المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، غير أن نطاق تطبيق هذا الحق لا يخلو من خلافات قانونية. فإيران، إحدى الدول المطلة على مضيق هرمز، وقعت الاتفاقية في 10 ديسمبر 1982 دون أن تصادق عليها، وأصدرت إعلانًا تفسيريًا ترى فيه أن حق المرور العابر لا يُمنح إلا للدول الأطراف في الاتفاقية، لا لجميع الدول.
ويكشف ذلك أن القواعد القانونية وحدها لا تمنع الاضطرابات الأمنية، ولا تضمن استمرار الإمدادات حين تتصاعد النزاعات. ولذلك يتطلب أمن الطاقة تكاملًا بين الأطر القانونية والتعاون الدولي من جهة، والاستثمار في البنية التحتية والجاهزية التشغيلية من جهة أخرى؛ فالقانون ينظم الحقوق والالتزامات، والقدرات الاقتصادية توفر الخيارات العملية لمواجهة المخاطر.
وفي هذا السياق، تتأكد أهمية الدور السعودي في منظومة الطاقة العالمية؛ إذ لا يرتبط بحجم الإنتاج وحده، بل بالاستثمارات المتراكمة في الإنتاج والنقل والتصدير، وبالخبرات الوطنية التي تدير هذه المنظومة، وبالعلاقات الاقتصادية التي تربط المملكة بالأسواق المستهلكة.
وقد تجلت أبعاد هذا الدور في استضافة الرياض الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في 11 أكتوبر، بمشاركة وزراء ومسؤولين وممثلين لقطاع الطاقة، في ظروف استثنائية أعقبت الاعتداءات التي استهدفت العاصمة. وهي اعتداءات طالت منشآت مدنية وأسفرت عن ضحايا ومصابين، وتستوجب الإدانة، وتؤكد ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
ورغم ذلك، مضى الاجتماع في أعماله وتواصلت فعاليات الطاقة في الرياض، في مشهد يعكس قدرة المؤسسات السعودية على أداء مسؤولياتها الدولية بكفاءة وثبات. ومن هنا تكتسب عبارة الأمير عبدالعزيز بن سلمان حين وصف الرياض بأنها "عاصمة أمن الطاقة" دلالتها؛ فهي مكانة لا تقوم على استضافة الاجتماعات وحدها، بل على دور المملكة في دعم استقرار الأسواق، وتوفير منصة للحوار بين المنتجين والمستهلكين.
وقد شدد الاجتماع الوزاري على أهمية الاستثمار المستمر في منظومة الطاقة، وحماية البنية التحتية وطرق التجارة، وتنويع مسارات الإمداد، وتحسين شفافية البيانات. وهي أولويات تؤكد أن أمن الطاقة لم يعد مسألة كميات إنتاج، بل جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي يشمل استقرار التجارة، ومرونة سلاسل الإمداد، ووضوح السياسات، واستمرارية الاستثمارات.
وفي نهاية المطاف، قد تمنح الموارد الطبيعية الدول مكانة اقتصادية، لكن الثقة الدولية تُبنى بالقدرة على الوفاء بالالتزامات حين تصبح الظروف أكثر تعقيدًا. وهذه هي القيمة الحقيقية للموثوقية السعودية: أنها ليست وصفًا لمكانة، بل حصيلة قرارات اتُّخذت قبل الأزمة، وخيارات بُنيت استعدادًا لها.