بالقانون تُبنى الأوطان ويُصان السلام
بقلم: د. محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
في اليوم العالمي للقانون، لا نحتفي بمجموعة من النصوص والمواد النظامية فحسب، بل نحتفي بقيمة حضارية شكّلت أساس استقرار المجتمعات ونهضة الدول عبر التاريخ. فالقانون هو الميزان الذي تستقيم به الحقوق والواجبات، والسياج الذي يحمي الإنسان والمجتمع، والوسيلة التي تتحول من خلالها مبادئ العدالة والمساواة من قيم مجردة إلى واقع ملموس يعيشه الجميع.
فالأوطان لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، ولا يتحقق استقرارها بالتقدم الاقتصادي والتقني فقط، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى منظومة قانونية راسخة تحفظ الحقوق، وتحدد المسؤوليات، وتنظم العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسساته. وحين يدرك الإنسان أن حقه مصون، وأن الواجب يُطبَّق على الجميع، وأن العدالة هي المرجع عند الاختلاف، تتعزز ثقته في وطنه ومؤسساته، ويتحول احترام القانون إلى سلوك مجتمعي يرسّخ الاستقرار والانتماء والمسؤولية.
والقانون في جوهره ليس أداة للعقاب فحسب، بل هو وسيلة للوقاية والتنظيم وصون المجتمع من الفوضى؛ فهو ينظم العلاقات الأسرية، ويحمي المصالح المالية والتجارية، ويحدد قواعد العمل، ويحفظ الملكية، ويصون كرامة الإنسان. كما أن أثره يمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية، فينظم العقود والمعاملات، ويحدد الحقوق والواجبات، ويسهم في تحقيق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
كما تمثل سيادة القانون أحد أهم مقومات قوة الدولة الحديثة؛ فحين تكون القواعد واضحة، وتُطبَّق بعدالة، وتُتاح للجميع سبل المطالبة بحقوقهم، تصبح العدالة مصدرًا للأمن والطمأنينة والثقة. ولا تقتصر آثار ذلك على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى التنمية الاقتصادية؛ إذ لا يزدهر الاستثمار، ولا تنمو الأعمال، ولا تستمر المشروعات، من دون بيئة قانونية واضحة تحمي المصالح، وتحدد الالتزامات، وتوفر وسائل عادلة لتسوية النزاعات.
وفي المملكة العربية السعودية، يحظى مبدأ سيادة القانون بمكانة أساسية في بناء الدولة وتنظيم شؤون المجتمع، في إطار يستند إلى الشريعة الإسلامية والأنظمة المعمول بها. ويعكس الاهتمام المستمر بتطوير البيئة القانونية والعدلية إدراكًا عميقًا لأهمية القانون في دعم التنمية، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة، وحفظ المصالح، انطلاقًا من رؤية تؤكد أن العدالة ليست غاية قانونية فحسب، بل ركيزة لبناء مجتمع متماسك، واقتصاد قوي، ودولة قادرة على مواكبة متغيرات العصر.
ولا يقف أثر القانون عند حدود الدولة ومؤسساتها، بل يمتد ليكون لغة تنظم العلاقات بين الدول، ووسيلة حضارية لتسوية النزاعات وحماية السلم والاستقرار. وفي هذا الإطار، تؤكد المملكة العربية السعودية أهمية القانون الدولي والوسائل الدبلوماسية والقانونية في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، وصون المصالح، وتعزيز التعاون بين الدول. كما تدعم الحلول السلمية للنزاعات واللجوء إلى الأطر القانونية في معالجة الخلافات وحفظ الأمن والاستقرار. ويتجلى هذا التوجه في حضورها الفاعل داخل عدد من المنظمات والأطر القانونية الدولية، من بينها منظمة التجارة العالمية ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، وفي توقيعها المبكر وتصديقها على اتفاقية سنغافورة للوساطة، إلى جانب دورها في دعم جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة؛ بما يؤكد إيمانها بأن الاحتكام إلى القانون والتسوية السلمية من أهم السبل لحماية المصالح وتعزيز الاستقرار والسلام على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي العلاقات الدولية، يمنح القانون الدول إطارًا يحول دون تحول الاختلاف إلى صراع، ويجعل الحوار والتسوية بديلين عن القوة والمواجهة. وكلما ازداد احترام المجتمع الدولي للقواعد والالتزامات القانونية، تعززت فرص السلام، وتراجعت مساحات الفوضى والنزاع. ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين القانون والسلام؛ فلا يقوم سلام مستدام من دون عدالة، ولا تستقر العدالة من دون قانون يحميها ويضمن احترامها.
غير أن وجود الأنظمة وحده لا يكفي لتحقيق غايات القانون؛ فهو يحتاج إلى ثقافة تحترمه، ومجتمع يدرك أن الالتزام به لا ينبع من الخوف من العقوبة، بل من الوعي بأن احترام الحقوق والواجبات مسؤولية مشتركة. فالفرد الواعي بالقانون يسهم في حماية حقوقه وحقوق الآخرين، والمؤسسة الملتزمة بالأنظمة تعزز الثقة، والمجتمع الذي يجعل العدالة قيمة راسخة يصبح أكثر قدرة على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.
ومن هنا، فإن اليوم العالمي للقانون مناسبة للتذكير بأن العدالة ليست مسؤولية المحاكم والجهات القانونية وحدها، بل مسؤولية يشترك فيها الجميع؛ فكل احترام لحق، وكل التزام بواجب، وكل احتكام إلى النظام بدلًا من النزاع، هو إسهام في بناء مجتمع أكثر عدلًا وسلامًا. وحين تتكامل جهود الدولة ومؤسساتها مع وعي أفراد المجتمع، تصبح سيادة القانون ثقافة راسخة لا مجرد نصوص مكتوبة.
وفي ظل القيادة الحكيمة لمولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظهما الله –، تمضي المملكة في مسيرتها نحو ترسيخ العدالة، وتعزيز سيادة القانون، وبناء وطن يستند في قوته إلى مؤسسات راسخة، وقيم أصيلة، وطموح لا حدود له.
وفي هذه المناسبة، يتجدد التأكيد على حقيقة جوهرية مفادها أن القانون ليس مجرد نص يُكتب، وإنما عهد يصون الحقوق، وميزان يحفظ العدالة، وقوة تحمي استقرار المجتمعات. فحيث يسود القانون، يطمئن الإنسان إلى حقه، ويأمن المجتمع من الفوضى، وتجد الدول في العدالة لغة أسمى من الصراع؛ وبالقانون تُبنى الأوطان، وتُحفظ الحقوق، ويُصان السلام.