|

السعودية وفرنسا.. شراكة استراتيجية من أمن المنطقة إلى اقتصاد المستقبل

الكاتب : الحدث 2026-08-27 12:42:17

بقلم: د. محمد الأنصاري 
أستاذ القانون الدولي

تعكس العلاقات السعودية - الفرنسية في المرحلة الحالية مستوى متقدماً من التعاون الذي لم يعد يقتصر على المصالح الاقتصادية أو التنسيق السياسي، بل أصبح يمتد إلى مجالات الدفاع والأمن والطاقة والاستثمار والتقنية والثقافة، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية المهمة. وجاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى فرنسا يومي 23 و24 أغسطس 2026 لتؤكد هذا التحول.

فقد أظهر البيان السعودي - الفرنسي المصاحب للزيارة أن العلاقة بين الرياض وباريس تتجه نحو شراكة أكثر شمولاً، تقوم على المصالح المشتركة ورؤية طويلة الأمد، في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة.

ويعطي البعد التاريخي لهذه العلاقة مزيداً من الأهمية لما وصلت إليه اليوم، إذ تعود العلاقات بين المملكة وفرنسا إلى عام 1926، واستمرت في التطور عبر مراحل متعددة حتى وصلت إلى مستويات أكثر تقدماً من التعاون، تُوّج بإنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجية في ديسمبر 2024 . ويؤكد هذا الامتداد أن العلاقة الحالية لا تبدأ من الصفر، بل تستند إلى تاريخ طويل من التعاون تطور تدريجياً ليشمل اليوم مجالات أوسع وأكثر تنوعاً. ويظهر هذا التوجه بوضوح من خلال مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي والمبادرات الجديدة التي أُطلقت ضمنه، إذ يمنح المجلس العلاقة بين البلدين إطاراً أكثر تنظيماً واستمرارية. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تجعل التعاون مرتبطاً بزيارة رسمية أو اتفاق مؤقت، بل تفتح المجال أمام متابعة المشروعات والتفاهمات وتطويرها بصورة مستمرة، بما يعكس رغبة الجانبين في بناء علاقة طويلة الأمد، قادرة على التوسع مع تغير الظروف وظهور فرص جديدة للتعاون.

واللافت في تطور العلاقات السعودية - الفرنسية أن الشراكة بين البلدين لا تقوم فقط على اتساع المصالح المشتركة، بل تعكس أيضاً تحولاً أوسع في طبيعة العلاقات الدولية، حيث أصبحت الدول أكثر ميلاً إلى تنويع شراكاتها وبناء علاقات مرنة تتجاوز الأطر التقليدية . فالمملكة تعمل على توسيع شبكة شراكاتها السياسية والاقتصادية والتقنية بما يعزز خياراتها الاستراتيجية، في حين تمثل السعودية بالنسبة إلى فرنسا شريكاً رئيسياً يمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً متنامياً في المنطقة . ومن هنا، تكتسب العلاقة بين الرياض وباريس أهمية تتجاوز حجم التبادل الثنائي، لتصبح شراكة قائمة على المصالح المتبادلة والقدرة على التحرك المشترك في ملفات إقليمية ودولية متعددة.

ويعد الجانب الدفاعي أحد أبرز المجالات التي تكشف عمق هذه الشراكة، إذ يتجه البلدان إلى تعزيز التعاون في مجالات التسليح والتدريب وتطوير القدرات . ويكتسب هذا التعاون أهمية خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، والتي لم تعد تقتصر على حماية الحدود، بل أصبحت تشمل أمن الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية وطرق التجارة وإمدادات الطاقة . ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التعاون الدفاعي السعودي - الفرنسي باعتباره جانباً عسكرياً فقط، بل بوصفه جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى حماية المصالح وتعزيز الاستقرار والقدرة على التعامل مع التهديدات الإقليمية.

ويبرز أمن الملاحة في مضيق هرمز باعتباره أحد الملفات التي توضح هذا الترابط بين الأمن والاقتصاد، إذ شدد البلدان على أهمية استمرار حركة الملاحة البحرية ورفض فرض أي رسوم أو قيود على عبور السفن . ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية للمضيق، الذي يعد واحداً من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس على دول المنطقة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي . كما أدانت السعودية وفرنسا الهجمات التي تستهدف السفن التجارية وتهدد الممرات البحرية، في تأكيد على أهمية الحفاظ على أمن التجارة الدولية واستقرار المنطقة .

ويرتبط بذلك الملف اليمني، حيث جدد الجانبان دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني وللجهود التي تقودها الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي شامل، في الوقت الذي أدانا فيه هجمات الحوثيين على المملكة والسفن التجارية والمنشآت الحيوية. ويجمع هذا الموقف بين دعم الحلول السياسية والدبلوماسية من جهة، ورفض التهديدات الأمنية التي تمس أمن المملكة وحركة التجارة والملاحة الدولية من جهة أخرى. وفي الملف الإيراني، أكد البلدان أهمية الحلول الدبلوماسية وضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني، مع الدعوة إلى استمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويكشف هذا الموقف عن محاولة لتحقيق قدر من التوازن بين التعامل مع المخاوف الأمنية والإبقاء على المسار الدبلوماسي بوصفه الوسيلة الأساسية لتجنب المزيد من التصعيد، خصوصاً أن أي أزمة جديدة في المنطقة ستكون لها انعكاسات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود الدول المعنية مباشرة .

وكانت القضية الفلسطينية وقطاع غزة من أبرز الملفات السياسية التي تناولها الجانبان، حيث أكدا أهمية التوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب دعم المسار السياسي الذي يمكن أن يقود إلى حل أكثر استقراراً. كما جاء التأكيد على تنفيذ الاتفاق المرتبط بنزع سلاح حركة حماس في إطار رؤية أوسع تتعلق بمستقبل القطاع وتحقيق الاستقرار. ولا ينظر هذا الموقف إلى الأزمة من جانبها الإنساني فقط، بل يربط بين وقف القتال ووجود مسار سياسي يمكن أن يحد من تكرار الأزمات ويهيئ الظروف أمام تسوية أكثر استدامة.

ويأتي هذا التوافق امتداداً لتنسيق دبلوماسي سبق الزيارة، إذ قادت المملكة وفرنسا جهوداً دولية لدعم تنفيذ حل الدولتين، من بينها رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذي انعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في يوليو 2025 وأسفرت أعماله عن «إعلان نيويورك»، قبل أن تتواصل الجهود على المستوى الرفيع خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من العام نفسه. ويعكس ذلك أن التنسيق بين الرياض وباريس في القضية الفلسطينية لا يرتبط بحدث واحد، بل يمثل مساراً سياسياً مستمراً يهدف إلى دعم الحلول الدبلوماسية وتعزيز فرص الوصول إلى تسوية أكثر استقراراً.

 كما أكد البلدان دعمهما لقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، ورفض الإجراءات التي تقوض إمكانية تحقيق حل الدولتين، مع الدعوة إلى وقف الاستيطان وعنف المستوطنين . وامتد هذا التوجه إلى دعم إصلاح السلطة الفلسطينية والترحيب بالخطوات المرتبطة بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، بما يعزز البعد السياسي والمؤسسي لأي تسوية مستقبلية.

وفي لبنان، شدد الجانبان على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها واستقرارها، إلى جانب التأكيد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية . ويبرز في هذا الموقف الاهتمام بوجود مؤسسات دولة قادرة على ممارسة مسؤولياتها والحفاظ على سيادتها، لأن تحقيق الاستقرار لا يرتبط فقط بغياب المواجهات العسكرية، وإنما يحتاج أيضاً إلى مؤسسات فاعلة وقادرة على إدارة شؤون البلاد والحفاظ على وحدتها . كما أكد البلدان أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية اللبنانية في أداء مسؤولياتها، إلى جانب تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح ضمن مؤسساتها الرسمية .

كما امتد التنسيق السعودي - الفرنسي إلى سوريا، حيث ظهر الاهتمام بدعم وحدة البلاد واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، إلى جانب الترحيب بتأسيس مجلس أعمال سعودي - سوري - فرنسي مشترك. ويشير ذلك إلى توجه نحو الاستفادة من الاقتصاد والاستثمار بوصفهما جزءاً من مسار التعافي والاستقرار، وليس فقط مجالاً لتحقيق المصالح التجارية.

كما تناول الجانبان الوضع في السودان، مع التأكيد على أهمية إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها . وشمل الموقف المشترك كذلك التأكيد على ضرورة وقف التدخلات الخارجية التي من شأنها إطالة أمد الأزمة وتعقيد جهود الوصول إلى تسوية تحفظ وحدة السودان ومؤسساته.

ومن زاوية القانون الدولي، يلاحظ أن قاسماً مشتركاً يجمع بين عدد من هذه الملفات، يتمثل في التأكيد على سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحرية الملاحة البحرية، واحترام قرارات مجلس الأمن، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية . وهذه المبادئ ليست مجرد عبارات سياسية، بل تمثل ركائز أساسية في النظام القانوني الدولي، وتكتسب أهميتها بصورة أكبر في منطقة تتداخل فيها النزاعات الداخلية مع التوترات الإقليمية والمصالح الدولية.

ومن ثم، فإن التنسيق السعودي - الفرنسي في هذه القضايا يتجاوز التعامل مع الأزمات الآنية ليعكس اهتماماً بدعم قواعد يمكن أن تسهم في بناء استقرار إقليمي أكثر استدامة .
ولا تتوقف الشراكة عند الملفات السياسية والأمنية، إذ تكشف المؤشرات الاقتصادية عن حجم متزايد من المصالح المشتركة بين البلدين، وهو ما يمنح العلاقة السياسية أساساً اقتصادياً أكثر قوة . فقد بلغ رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر في المملكة نحو 63.9 مليار ريال في عام 2024، أي أكثر من ضعف مستواه في عام 2021، لتحتل فرنسا المرتبة الرابعة بين أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة . كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 44.2 مليار ريال في عام 2025، أي ما يعادل نحو 11.8 مليار دولار، في مؤشر على اتساع العلاقات التجارية ووجود مساحة إضافية للنمو خلال السنوات المقبلة.

وتشهد المملكة في الوقت نفسه حضوراً متنامياً للشركات الفرنسية بوجود 651 ترخيصاً استثمارياً موزعاً على 18 قطاعاً، وهو رقم يعكس تنوع المجالات التي تستقطب الشركات الفرنسية داخل السوق السعودية . كما تأتي هذه العلاقات في ظل استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة، التي بلغت نحو 23.9 مليار ريال خلال الربع الأول من عام 2026، بنمو قدره 2.4% على أساس سنوي . وتساعد البيئة التنظيمية والاقتصادية المستقرة، إلى جانب وضوح الخطط التنموية المرتبطة برؤية السعودية 2030، على تعزيز ثقة المستثمرين ومنحهم رؤية أوضح تجاه مستقبل الاقتصاد السعودي والفرص المتاحة فيه.
ويعزز هذا الحضور اتخاذ 39 شركة فرنسية المملكة مقراً إقليمياً لأعمالها، وهي خطوة تعكس أن جاذبية السوق السعودية لا تقتصر على استقطاب الاستثمارات والمشروعات، بل تمتد إلى تحول المملكة إلى قاعدة لإدارة النشاط الإقليمي لعدد من الشركات الدولية . ويمنح ذلك العلاقة الاقتصادية بعداً أكثر استدامة، ويربط حضور الشركات الفرنسية بصورة أكبر بالتحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية السعودية 2030. ويعد اجتماع الطاولة المستديرة السعودية - الفرنسية للاستثمار أحد أبرز المؤشرات على انتقال العلاقة الاقتصادية إلى مستوى أكثر تنوعاً، إذ شهد الإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين جهات من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين. وشملت هذه الاتفاقيات مجالات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والثقافة والصحة والسياحة، بما يوضح أن التعاون الاقتصادي لم يعد محصوراً في القطاعات التقليدية، بل أصبح يمتد إلى قطاعات مستقبلية مرتبطة بالتقنية والابتكار والتحول الرقمي.

كما ناقشت الطاولة الاستثمارية آفاق المشروعات المشتركة بين القطاع الخاص في البلدين، إضافة إلى عدد من المحاور المتعلقة بتمويل وتطوير الوجهات الكبرى، وتعزيز الشراكات الصناعية وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتطوير قطاعي النقل والخدمات اللوجستية، وبناء المستقبل الرقمي من خلال الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. ويعكس ذلك انتقال التعاون من مجرد التبادل التجاري إلى بناء مشروعات وشراكات يمكن أن يكون لها أثر اقتصادي طويل المدى . ومن أبرز المشروعات التي تعكس هذا التوسع الاستثماري دراسة تطوير وجهة عالمية كبرى في فرنسا باستثمارات قد تصل إلى نحو ستة مليارات يورو، وهو ما يوضح تنامي الحضور الاستثماري السعودي خارجياً وانتقاله إلى مشروعات نوعية ومتعددة الاستخدامات . ويرتبط المشروع بمذكرة تفاهم وقعتها شركة القدية للاستثمار لاستكشاف تطوير وجهة عالمية متعددة الاستخدامات في منطقة سيرجي بونتواز ضمن إقليم إيل دو فرانس، تجمع بين الترفيه والضيافة والثقافة والرياضة . وفي المقابل، تمثل المملكة سوقاً مهمة للشركات الفرنسية، خصوصاً في ظل المشروعات الكبرى المرتبطة برؤية السعودية 2030 وما تتيحه من فرص في قطاعات الطاقة والنقل والسياحة والترفيه والبنية التحتية والصناعة والخدمات والتقنيات الحديثة.

وتكتسب الشراكة أهمية إضافية عندما تمتد إلى مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات الناشئة؛ لأن المنافسة الاقتصادية في المستقبل لن تقوم فقط على مصادر الطاقة أو الصناعات التقليدية، بل ستعتمد بدرجة متزايدة على المعرفة والابتكار والتقنية. ومن هنا، فإن دخول هذه المجالات ضمن التعاون السعودي - الفرنسي يعكس توجهاً نحو بناء شراكة لا تركز فقط على احتياجات الحاضر، وإنما تستعد أيضاً للتحولات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة. ويأتي التعاون في مجال الطاقة ضمن المسار نفسه، إذ تشمل العلاقات بين البلدين مجالات النفط والبتروكيماويات والطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، إضافة إلى التقنيات المرتبطة بخفض الانبعاثات. ويشير هذا التنوع إلى أن الشراكة في الطاقة أصبحت أوسع من الاعتماد على المصادر التقليدية، لتشمل أيضاً التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والاستدامة والتقنيات الجديدة، مع بقاء أمن الإمدادات واستقرار الأسواق جزءاً أساسياً من المصالح المشتركة.

أما في الجانب الثقافي والسياحي، فتعد العُلا أحد أبرز نماذج التعاون بين البلدين، إذ تم تمديد الشراكة السعودية - الفرنسية المتعلقة بها حتى عام 2035. وتمثل العُلا نموذجاً لكيفية الجمع بين الحفاظ على التراث والاستفادة منه في التنمية والسياحة والثقافة، كما تعكس هذه الشراكة الاستفادة من الخبرة الفرنسية في مجالات المتاحف والتراث والثقافة، إلى جانب الطموح السعودي في جعل العُلا واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً. ولم يبق هذا التعاون في إطار الخطط العامة، بل انعكس في مشروعات وتجارب ملموسة، من بينها منتجع «شرعان» الذي صممه المعماري الفرنسي جان نوفيل، ومشروع ترام العُلا بالتعاون مع شركة «ألستوم» الفرنسية، إلى جانب «فيلا الحجر» بوصفها مؤسسة ثقافية سعودية - فرنسية ومنصة للتبادل الفني والإبداعي. وتمنح هذه المشروعات التعاون الثقافي بعداً عملياً؛ لأنها تجمع بين حماية التراث وتطوير البنية السياحية ونقل الخبرات والمعرفة، وتجعل العُلا نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تنتجه الشراكة بين البلدين على أرض الواقع.

كما رحبت المملكة بمشاركة فرنسا في معرض إكسبو 2030 الرياض، وهو ما يضيف بعداً جديداً للعلاقة بين البلدين؛ لأن المعرض يمثل إحدى المحطات العالمية الكبرى التي تستعد المملكة لاستضافتها. ويمكن أن تفتح المشاركة الفرنسية مجالات جديدة للتعاون في الابتكار والاستثمار والثقافة والتقنية، بما يجعل الحدث فرصة إضافية لتوسيع الشراكة بين البلدين. وعند النظر إلى هذه الملفات مجتمعة، يتضح أن العلاقات السعودية - الفرنسية لم تعد قائمة على مجال واحد أو مصلحة واحدة، بل أصبحت شبكة مترابطة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والتقنية. فمن أمن مضيق هرمز وقضايا غزة واليمن ولبنان وإيران وسوريا والسودان، إلى الاستثمار والذكاء الاصطناعي والطاقة والعُلا وإكسبو 2030، تتشكل علاقة متعددة الأبعاد تجمع بين التعامل مع تحديات الحاضر والاستعداد لمتطلبات المستقبل.

وفي الختام، يمكن القول إن العلاقات السعودية - الفرنسية تدخل مرحلة تتجاوز مفهوم التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية أكثر اتساعاً وتأثيراً. وقوة هذه الشراكة لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم الاستثمارات، بل بقدرتها على الجمع بين الأمن والتنمية، والسياسة والاقتصاد، والمصالح الوطنية والتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية. وتعكس المؤشرات الحالية مساراً واضحاً نحو شراكة تقوم على تنوع المصالح ووضوح الأهداف والقدرة على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون عملي طويل الأمد: شراكة تبدأ من أمن المنطقة وتمتد إلى اقتصاد المستقبل.