|

حقوق الممثلين والمهنيين في مواجهة شركات الإنتاج غير الملتزمة

الكاتب : الحدث 2026-08-18 02:48:54

عارف أحمد - كاتب فني

ومن أكثر المشكلات التي تواجه بعض الممثلين والفنانين والفنيين التعاملُ مع شركات إنتاج تتعامل مع العقد باعتباره أداةً لفرض الالتزامات على المتعاقد، بدلاً من كونه وثيقةً متبادلةً تنظم حقوق الطرفين. ومن هنا تبرز قاعدةٌ مهنيةٌ وقانونيةٌ بالغةُ الأهمية يمكن اختصارها بعبارةٍ واضحة: "كما تشترط شركةُ الإنتاج على الممثل، فمن حق الممثل أن يشترط عليها، لأن العقد التزامٌ متبادل وليس أمراً صادراً من طرف إلى طرف آخر".

الممثل طرفٌ متعاقد وليس موظفاً تحت الطلب المطلق، ومن الأخطاء المهنية الشائعة أن تعتقد بعض الشركات أن توقيع العقد يعني تنازلاً عن حق المتعاقد في تنظيم ظروف عمله أو الاعتراض على ما يخالف الاتفاق. فالممثل يقدم للشركة خدمةً فنيةً محددةً مقابل أجرٍ وشروطٍ والتزاماتٍ متفق عليها، وفي المقابل تحصل الشركة على حق الاستفادة من أدائه ضمن الحدود المتفق عليها. ولا يجب أن تكون العلاقة بهذا المعنى الديكتاتوري:"شركةٌ تأمر وممثلٌ ينفذ دون قيد أو شرط"،بل هي: "طرفان يتفاوضان ثم يتفقان ثم يلتزمان بما اتفقا عليه". ومن هنا يجب أن تكون مدة العمل، وعدد الأيام أو طبيعتها، والأجر، ومواعيد الدفع، والسفر، والإقامة، والتنقل، والمصروفات، وساعات التصوير، والتمديد، وإعادة التصوير، وغيرها من التفاصيل الجوهرية واضحةً قدر الإمكان.

ومن أكثر العبارات التي تُستخدم أحياناً لإنهاء أي محاولة للتفاوض قول شركة الإنتاج: "هذا عقد موحد ولا يمكن تعديله" !! لكن وصف الشركة لنموذجها بأنه "عقد موحد" لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لمنع الطرف الآخر من مناقشة شروطه، بل إن وجود نموذج موحد قد يكون مفيداً إدارياً للشركة، لكنه لا يعني بالضرورة أن ظروف جميع المتعاقدين متطابقة. ولذلك فإن محاولة إخضاع الجميع لتفاصيل تعاقدية واحدة قد تتجاهل الاختلاف الحقيقي بين ظروفهم والتزاماتهم، ويصبح العقد بذلك يكفل حق الشركة ويسلب حق المتعاقد، وهذا إخضاعٌ وليس اتفاقاً.

ومن أخطر ما في العقود أحياناً ليس البنود الكبيرة، وإنما الكلمات التي تبدو بسيطة لكنها تمنح أحد الطرفين مساحةً واسعةً للتفسير. مثل عبارات: "وفق ما تراه الشركة مناسباً"، أو "عند الحاجة"،أو "وفق ظروف الإنتاج"، أو "يجوز تمديد المدة"، أو "حسب متطلبات التصوير"، فمثل هذه العبارات ينبغي ألا تمر دون فهم آثارها، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بمدة العقد أو عدد أيام التصوير أو السفر أو الأجر أو إعادة التصوير. فالعقد المهني الجيد لا يعتمد على حسن النوايا وحده، وإنما يسعى إلى تقليل مساحة الاختلاف في التفسير، وكلما كان النص أكثر تحديداً كان أكثر قدرة على حماية الطرفين.

العمل الدرامي والسينمائي ليس وظيفةً واحدة، فالممثل ليس مدير تصوير، ومدير التصوير ليس مصمم إنتاج، ومصمم الإنتاج ليس مهندس صوت، ومهندس الصوت ليس مساعد مخرج. فلكل وظيفة مسؤولياتها ومدتها ومخاطرها وطبيعة حضورها في المشروع. والقاعدة العادلة للشركات الملتزمة والمحترفة هي: "ما يطالب به الفنان من الشركة يجب أن يكون مستعداً للالتزام بمقابله، وما تطالب به الشركة من الفنان يجب أن تكون مستعدة للالتزام به تجاهه".

ومن أكثر المسائل حساسية في الإنتاج الدرامي احترام الجدول الزمني. فالشركة تطلب عادة من الممثل الالتزام الصارم بمواعيد التصوير، وهذا طلبٌ مفهومٌ ومشروعٌ مهنياً. لكن العدالة تقتضي أن يكون احترام الوقت متبادلاً. فلا ينبغي أن يُطلب من الفنان أن يعتبر كل دقيقة من وقته التزاماً تعاقدياً، بينما تعتبر الشركة تغيير المواعيد والتأجيل المستمر وتمديد فترة التصوير أموراً لا يترتب عليها شيء!! فالوقت الذي تحتجزه الشركة من جدول الفنان له قيمة مهنية واقتصادية.

وكثيراً ما يوصف الفنان الذي يطالب بتنفيذ عقده بأنه "صعب" أو "كثير الشروط". لكن ينبغي التمييز بين التعنت وبين المطالبة بحق متفق عليه. فإذا اشترط الممثل قبل التوقيع شروطاً معينة، ووافقت عليها شركة الإنتاج، فإن مطالبته بتنفيذها بعد ذلك ليست امتيازاً جديداً يطلبه أثناء العمل، وإنما مطالبة بتنفيذ الاتفاق الأصلي. وتزداد أهمية هذا الموقف عند التعامل مع شركات لديها سجل من التأخير أو تغيير الاتفاقات أو الاعتماد المفرط على الوعود الشفهية: "وإياك ثم إياك أن تثق بأي وعود شفهية، فهذا فخٌ منصوبٌ لك. فالوعود الحقيقية تُكتب في العقد ولا تُقال شفهياً". وفي هذه الحالات يصبح الوضوح والتوثيق والإصرار على تنفيذ الشروط إدارةً مهنيةً للمخاطر وليس سلوكاً عدائياً. ومن أكثر العبارات خطورة في بيئة الإنتاج: "لا تقلق، سنحلها لاحقاً". فإذا كانت المسألة مهمة بالنسبة إلى الفنان، فمن الأفضل أن تكون مكتوبة. فالذاكرة تختلف، والإدارات تتغير، ومدير الإنتاج قد يغادر المشروع، والشخص الذي قدم الوعد قد لا تكون لديه أصلاً صلاحية إلزام الشركة. فما يحمي العلاقة المهنية ليس الوعود الكثيرة، وإنما الاتفاق الواضح القابل للإثبات.

أما قاعدة "كما تشترط عليّ، أشترط عليك" فتعني: إذا اشترطت الشركة غرامةً أو أثراً مالياً عند إخلال الفنان بالتزام معين، فمن المشروع أن يناقش الفنان وجود أثرٍ مقابل عند إخلال الشركة بالتزام جوهري مماثل، متى كان ذلك جائزاً قانوناً. وإذا اشترطت الشركة الحضور في وقت محدد، فمن حق الفنان طلب تحديد آلية واضحة لإبلاغه بمواعيد التصوير وتغييرها. وإذا طلبت الشركة حصرية الفنان لفترة معينة، فمن حقه التفاوض على المقابل والمدة والحدود. فالمقصود ليس تحويل العقد إلى معركة، وإنما تحقيق "التوازن التعاقدي". فالعقد المحترف ليس العقد الذي يحمي الشركة من الفنان فقط، بل العقد الذي يحمي "الشركة والفنان من الإخلال وسوء الفهم معاً". 

فعلى الممثل أن ينفذ ما التزم به، وعلى شركة الإنتاج أن تنفذ ما التزمت به. كما تشترط الشركة عليك، اشترط أنت عليها. وكما تطالبك بتنفيذ التزاماتك، طالبها بتنفيذ التزاماتها. ولا توقّع على وعد، ولا تعتمد على عبارة "العقد موحد" إذا كانت هناك شروط جوهرية تحتاج إلى تعديل. فتفاوض قبل التوقيع، ووثّق ما تتفق عليه، ثم احترم الاتفاق وطالب باحترامه. فالاحتراف الحقي لا يعني أن يتنازل الفنان عن حقوقه حتى يستمر العمل، ولا أن يتجاهل المنتج حقوقه حتى يرضي الفنان؛ بل أن يعرف كل طرف حدوده والتزاماته.

وفي النهاية تبقى القاعدة الأوضح: "العقد شريعة المتعاقدين... لا شريعة طرف واحد"، لا تطلب امتيازاً... اطلب تنفيذ الاتفاق" .