طلال مداح.. يستقيم له التاريخ الثقافي احترامًا
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
ستة وعشرون عامًا مرت على رحيل طلال مداح، رحمه الله، وما زال صوته قادرًا على اختصار المسافة بين الأمس واليوم، وكأن السنوات التي توالت منذ الحادي عشر من أغسطس عام 2000 عجزت عن أن تأخذ معها ذلك الحضور الذي صنعه «صوت الأرض» في وجدان السعوديين وذاكرة الأغنية العربية. ستة وعشرون عامًا تغيرت خلالها أجيال، وتطورت الموسيقى، واتسعت صناعة الأغنية السعودية، وظهرت أصوات وتجارب ومدارس جديدة، فيما بقي طلال حاضرًا بأغنياته وصوته وأثره الذي يتجدد مع كل جيل يكتشفه، بقي واحدًا من الأسماء التي يصعب أن نقرأ تاريخ الأغنية السعودية من دون التوقف طويلًا أمام تجربته وتأثيره الثقافي والفني، وريادته الموسيقية الرفيعة.
وكانت تلك الليلة تحمل مشهدًا يختصر حجم المكانة التي وصل إليها طلال في قلوب الناس، آلاف الجماهير احتشدت لملاقاة «صوت الأرض»، وما إن دخل إلى خشبة المسرح حتى ارتفعت الأصوات بالترحيب المهيب، والهتاف الطويل، حيث ظل الجمهور واقفًا يحتفي به في مشهد بدا وكأنه تحية وفاء لمسيرة امتدت عقودًا، وكان طلال يتلقى ذلك الحب بهدوئه المعروف، واضعاً كفه على قلبه المريض، يبادل جمهوره، الحب والهتاف، بالحب والاعتزاز، ثم جلس على كرسيه والعود بين يديه، قريبًا من جمهوره كما اعتاد دائمًا، وما كان أحد بين تلك الآلاف يتخيل أن الأمسية التي بدأت بكل ذلك الفرح ستتحول إلى واحدة من أكثر اللحظات وجعًا في ذاكرة الثقافة والفن السعودي.
في الحادي عشر من أغسطس عام 2000، أسدل الستار على رحلة فنية استثنائية، وأصبحت خشبة المسرح شاهدة على اللحظات الأخيرة لرجل عاش للفن وغادر الدنيا وسط جمهوره والعود بين يديه.
والحديث عن طلال بعد 26 عامًا يتجاوز استعادة سيرة فنان رحل، إلى قراءة أثر رجل شارك في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية السعودية؛ أسهم في تشكيل ملامحها، وفتح أمامها مساحات عربية واسعة، وخاض تجارب موسيقية متعددة، حتى أصبح اسمه جزءًا أصيلًا من الثقافة الموسيقية السعودية والعربية، ومن ذاكرة وطن يشكل الفن أحد روافد هويته الثقافية.
وبالنسبة إليّ، يحمل طلال مساحة خاصة تتجاوز الاستماع والكتابة؛ فقد جمعتني به علاقة قصيرة، لكنها مباشرة، ومواقف وذكريات ما زالت تفاصيلها حاضرة في ذاكرتي، ومن هذه المساحة الشخصية المشتركة مع العملاق طلال، جاء عملي على كتاب يستعيد جانبًا من تلك العلاقة، ويوثق مواقف وذكريات عشتها معه، ويقترب من الإنسان طلال مداح كما عرفته، بعيدًا عن أضواء المسرح وصورة الفنان التي عرفها الجمهور.
ومن هنا أجد أن الوفاء لطلال يستحق اليوم خطوة ثقافية وتوثيقية توازي حجم إرثه؛ إنشاء متحف أو معرض فني دائم لـ«صوت الأرض»، يجمع مقتنياته وآلاته الموسيقية وصوره ووثائقه وتسجيلاته، ويروي بداياته ومحطات رحلته ومدرسته الفنية، ويقدم للأجيال قصة تطور تجربته وعلاقته بالشعراء والملحنين الذين شاركوه صناعة مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية السعودية.
طلال مداح جزء من ثقافة وطن وذاكرته الفنية، وحفظ إرثه مسؤولية ثقافية تتجاوز الاحتفاء بفنان كبير إلى توثيق مرحلة مهمة من تاريخ المملكة الموسيقي. ومتحف يحمل إرثه يمكن أن يصبح مساحة حية تتعرف فيها الأجيال الجديدة إلى جذور الأغنية السعودية وتحولاتها ورجالاتها.
بعد 26 عامًا، ما زال طلال قريبًا، وما زال في سيرته الكثير مما يستحق أن يُروى ويُحفظ للأجيال.
رحم الله طلال مداح..
غاب في 11 أغسطس 2000، والعود بين يديه، وبقي «صوت الأرض» حيًا في ذاكرة وطن وثقافته ووجدان أجياله، واسمًا كلما مرّ على تاريخ الأغنية السعودية والعربية، استقام له التاريخ احترامًا.