هل أصبح البقاء في الوطن… أمرًا محرجًا؟
بقلم: باسمه الضويمر
مع بداية كل إجازة تتكرر الأسئلة ذاتها في المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي: «وين مسافرين؟». سؤال يبدو بسيطًا وعفويًا، لكنه بالنسبة للبعض يحمل قدرًا من الحرج، حتى إن بعض الأشخاص يترددون في الإجابة، أو يكتفون بابتسامة عابرة، وربما يختلق آخرون وجهة سفر لم تحدث أصلًا؛ خشية أن يُنظر إليهم وكأنهم لم يعيشوا إجازتهم كما ينبغي.
وهنا يبرز تساؤل يستحق التأمل: هل أصبح البقاء في الوطن… أمرًا محرجًا؟
لقد تحولت الإجازة في نظر البعض من فرصة للراحة وتجديد الطاقة إلى سباق اجتماعي، تُقاس فيه قيمة الإجازة بعدد الرحلات، وصور المطارات، والفنادق، والمقاهي العالمية، حتى أصبح السفر عند بعض الناس معيارًا لنجاح الإجازة، لا مجرد خيار من خياراتها.
ولا يعود ذلك دائمًا إلى حب السفر، فهناك من لا يرغب بمغادرة وطنه أصلًا، ويجد راحته بين أسرته أو في مدينته، لكنه يشعر بضغط اجتماعي يدفعه إلى السفر حتى لا يبدو مختلفًا عن الآخرين، أو حتى لا يضطر للإجابة عن أسئلة قد تجعله يشعر بأنه أقل حظًا ممن سافروا.
وفي المقابل، هناك من يسافر لا حبًا في الوجهات، وإنما هربًا من واقع يثقله؛ من ضغوط العمل، أو الخلافات الأسرية، أو الفراغ، أو من روتين الحياة الذي لم يعد يحتمله. فيتحول السفر إلى استراحة مؤقتة، بينما تبقى الأسباب الحقيقية في انتظار العودة.
كما لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ هذا التصور؛ فقد امتلأت المنصات بصور الرحلات والمغامرات، حتى ترسخ في أذهان كثيرين أن الإجازة الناجحة لا تكون إلا خارج الوطن، وأن البقاء في المنزل أو قضاء الإجازة داخل المدينة يعني أن شيئًا ما ينقصها. ومع تكرار هذه الصور، أصبحت المقارنة عادة يومية، وتحولت الرغبة الطبيعية في الترفيه إلى ما يشبه الهوس.
وللأسف، فإن هذا الهوس لا يقف عند حدود الرغبة، بل قد يدفع بعض الأسر إلى الاقتراض أو الإنفاق فوق إمكاناتها، أو تحمل أعباء مالية مرهقة، فقط من أجل مجاراة الآخرين، أو نشر صورة توحي بحياة مثالية لا تعكس دائمًا الواقع.
ولعل ما نغفل عنه أن السفر في حد ذاته ليس المشكلة؛ فهو تجربة ثرية، ونافذة للتعرف على ثقافات جديدة، وصناعة ذكريات جميلة. لكنه يفقد جزءًا من معناه عندما يتحول إلى التزام اجتماعي، أو وسيلة لإرضاء الآخرين، أو هروب من واقع يحتاج إلى مواجهة لا إلى رحلة.
إن الإجازة لم تُخلق لنتنافس، ولم تُشرع لنقيس قيمتها بعدد الأختام على جوازات السفر، وإنما لنمنح أنفسنا حقها في الراحة، ونستعيد توازننا النفسي والجسدي، ونقضي وقتًا مع من نحب، سواء كان ذلك في أقصى العالم، أو في منزل يملؤه الدفء والسكينة.
فليس كل من حمل حقيبة سفر وجد السعادة، وليس كل من بقي في وطنه عاش الحرمان. فالراحة ليست عنوانًا على تذكرة سفر، وإنما شعور يسكن القلب أينما كان الإنسان.
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا في هذه الإجازة هو أن نعيشها كما نريد نحن، لا كما يريدها الآخرون. فمن حق الإنسان أن يسافر، ومن حقه أيضًا أن يبقى، دون أن يشعر بأنه مطالب بتبرير اختياره.
فلعلنا في الإجازة القادمة لا نسأل: «إلى أين ستسافر؟»، بل نسأل: «هل وجدت الراحة التي كنت تبحث عنها؟» فذلك السؤال أقرب إلى الإنسان، وأصدق معنى للإجازة.