مجرد حياة
بقلم: أفراح سلطان.
في يومٍ من الأيام، كنتُ أنتظر لحظة تخرّجي بشغفٍ كبير. كان ذلك اليوم بالنسبة لي تتويجًا لسنواتٍ من الجد والاجتهاد، وساعةً كنتُ أترقّبها بكل ما فيّ من أملٍ وتعب. نلتُ الشهادة التي كانت حلم حياتي، وتنازلتُ عن الكثير لأصل إليها، ظننت حينها أن الحلم قد تحقق، لكني ما كنت أعلم أن الحياة الحقيقية تبدأ بعده، بكل ما فيها من تفاؤل وإنجاز، وفشلٍ وتغيير.
بدأتُ رحلتي التالية بين مسؤولياتي وأسرتي وأبنائي، الذين أصبحوا محور حياتي ومصدر سعادتي. لم ألتفت يومًا إلى أبناء الآخرين، ولم أسمح للمقارنة أن تتسلل إلى قلبي، فلكل إنسان قدره وتوفيقه الذي يرزقه الله به. كنت أعلم أن دوري هو السعي فقط، وأن ما بعد السعي بيد الله وحده .
كم من ليلةٍ عشتها بدعاءٍ وقلقٍ وانتظارٍ لنتائج أبنائي، وكم من مرةٍ سمعت في داخلي تلك العبارة التي قالها أحد أساتذتي ذات يوم:
“كل شيء سينتهي، إنها مسألة وقت فقط.”
ومنذ ذلك الحين، أدركت أن كل لحظةٍ في الحياة تنتهي لتبدأ أخرى، وأن الأحداث تتبدل كما تتبدل الفصول، لكن ما يبقى حقًا هو الرضا.
تعلّمت أن ما نحلم به قد لا يأتي كما نريد، لكنه يأتي كما يريد الله — في الوقت المناسب، بالشكل الأجمل. ومع مرور الأيام، نكبر إيمانًا بأن ما كتبه الله لنا لا يمكن أن يكون إلا خيرًا.
الحياة يا أحبتي ، مجرد رحلةٍ قصيرة تمضي بنا بين عملٍ يتلوه عمل، وأحداثٍ تتغير من يومٍ إلى آخر. لذا علينا أن نعيشها بهدوءٍ واتزان، لا بعجلةٍ واستعجال. فالتأني — كما قال النبي ﷺ —
“في كل شيء إلا في عمل الآخرة.”
وفي الحديث الآخر:
“التأني من الله، والعجلة من الشيطان.”
فلتمضِ أقداركم كما كتبها الله، ولترضوا بما قسمه لكم، فالرّضا ليس استسلامًا، بل ثقةٌ بربٍ كريمٍ لا يكتب لعباده إلا الخير. قد يتأخر ما نريد، لكنه حين يأتي، يدهشنا بجماله، ويجعلنا نحمد الله على كل انتظارٍ لم يذهب سدى.
إنها مجرد حياة، تمضي، فاجعلوها تمضي وأنتم راضون، مطمئنون، مؤمنون بأن الصبر والرضا هما طريق الفوز الحقيقي.