|

القيادة تبدأ حين أرتب ذاتي

الكاتب : الحدث 2026-01-05 05:00:08

بقلم د. بجاد البديري
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي

تتكرر مفاهيم القيادة في الخطاب الإداري المعاصر، وتتنوع تعريفاتها بين المنصب، والصلاحيات، والتأثير المباشر، ومع تراكم التجربة، يتضح أن جوهر القيادة يظهر في مساحة أعمق وأهدأ: المساحة الداخلية للإنسان، فقبل أن يقود الفرد فريقاً أو مؤسسة، يحتاج أن يقود ذاته بوعي وتنظيم واتزان، وذلك لكون ترتيب الذات بمثابة عملية مستمرة تبدأ بإدراك الأولويات، وتنتهي ببناء نمط تفكير أكثر وضوحًا . وحين يعرف الإنسان ما يريد، وما الذي يستحق طاقته، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، وأكثر حضورًا في المواقف التي تتطلب هدوءًا ورؤية بعيدة.

في البيئات المؤسسية، كثير من التعقيد الظاهر يرتبط بفوضى داخلية غير معلنة، مثل ازدحام المهام، وتعدد الاجتماعات، وتسارع المتطلبات، كلها عوامل تضغط على القائد، ومع ذلك، الفرق الحقيقي يظهر عند من يمتلك نظاماً داخلياً يضبط وقته، وانتباهه، وتوقعاته، حيث ترتيب الذات هنا يتحول إلى عنصر تنظيمي مؤثر، ينعكس على وضوح التواصل، وعلى جودة التفاعل مع الفريق. هذا الترتيب لا يتطلب أدوات معقدة أو نماذج جاهزة، إذ يكفي أحياناً أن يمنح القائد نفسه مساحة للتفكير قبل القرار، أو يعيد ترتيب أولوياته أسبوعيًا ، أو يتعامل مع مهامه بوعي بدل الاستجابة التلقائية، هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فارقاً كبيرًا في الأداء، وتمنح القيادة بعداً إنسانيًا مستقرًا .

وحين يترتب الداخل، يهدأ الخارج، فيظهر ذلك في لغة الجسد، وفي نبرة الحديث، وفي طريقة إدارة الخلاف، وفي القدرة على الإصغاء دون توتر، ويلتقط الفريق هذا الاتزان سريعًا ، لأن السلوك الواضح ينقل الرسالة دون حاجة إلى شرح مطوَّل، لأن القيادة التي تبدأ من ترتيب الذات أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر قابلية لبناء أثر متراكم، فهي قيادة تعرف متى تتقدم، ومتى تتريث، ومتى تعيد النظر، ومع كل خطوة ترتيب داخلي، تتشكل بيئة عمل أكثر انسجاماً، وتنظيم مؤسسي أكثر نضجًا .

في النهاية، من يرتب ذاته يضع أساسًا متينًا لأي دور قيادي قادم، لكون القيادة الحقيقية تبدأ حين يصبح الداخل منظماً بما يكفي ليقود الخارج بثقة واتزان.