رمضان… حين تعود القلوب إلى دفء البدايات
بقلم - عبدالله عسيري
يأتي شهر رمضان كنسمةٍ عابقةٍ بالسكينة تهبّ على القلوب فتوقظ فيها الطمأنينة وكأنه ضيفٌ كريم لا يطرق الأبواب فحسب، بل يطرق الأرواح ، فيوقظها من غفلتها ، ويغسل عنها غبار الأيام ، ويعيدها إلى صفاء البداية ونقاء الحكاية.
رمضان ليس مجرد أيام تُعدّ وساعاتٍ تمضي، بل هو ذاكرةٌ حيّة تمتد بين الأمس واليوم بين دفء الماضي ونبض الحاضر.
فيه نستعيد أصوات الجدّات وهنّ يجهزن موائد المحبة قبل الطعام ، ونسمع ضحكات الأطفال وهم يترقبون أذان المغرب كأنهم يترقبون عيداً يتكرر كل مساء.
كانت البيوت أبسط لكن القلوب أوسع ، وكانت الموائد أقل تنوعاً لكن البركة فيها أوفى وأبقى.
ومن أجمل عادات رمضان التي ورثناها جيلاً بعد جيل اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار حيث لا يجمعنا الطعام بقدر ما تجمعنا المودة ولا يشبعنا الشراب بقدر ما تشبعنا الصحبة.
كانت الأيدي تمتد لتقدّم قبل أن تأخذ وتدعو قبل أن تذوق وكأن روح العطاء هي أول ما يُفطر عليه الصائمون.
وفي لياليه كان للسكون صوتٌ جميل يتخلله ترتيلٌ خاشع ودعاءٌ صادق، فتغدو المساجد منارات نور وتصبح القلوب كالمصابيح، كلما زاد خشوعها ازداد إشراقها.
كانت الخطوات إلى الصلاة تمضي بوقار والوجوه تعود ببِشرٍ ورضا وكأن الليل يهمس لكل روح: هنا تُغسل الهموم، وهنا تُزرع الطمأنينة.
ومن عادات الماضي التي ما زالت تنبض بالحياة تبادل الأطباق بين الجيران حيث كانت الطرقات تشهد مرور المحبة قبل مرور الصحون ، وكانت الأبواب تُفتح بلا موعد، والقلوب تُفتح بلا تردد.
رمضان كان وما يزال موسماً تتصافح فيه الأرواح قبل الأيدي ، وتتقارب فيه المسافات وإن تباعدت الأماكن.
وما أجمل السحور حين كان يُستقبل بهدوءٍ مهيب وأحاديثٍ دافئة وقلوبٍ شاكرة تستعد ليوم جديد من الصبر والرضا. كان السحور وعداً بالأمل وبدايةً ليومٍ يُكتب فيه الأجر ، وتُصقل فيه النفس ، ويُروّض فيه القلب على الصبر الجميل.
رمضان في الماضي لم يكن مجرد عادة، بل كان عبادةً ممتدة في السلوك قبل الشعائر ، وفي القيم قبل الكلمات.
واليوم، كلما أحيينا تلك العادات أحيينا معها معنى رمضان الحقيقي رمضان الذي يجمع ولا يفرّق، يطهّر ولا يرهق، يقرّب ولا يبعد.
فيا شهر الخير يا موسم الصفاء، يا حكايةً تتجدد كل عام ولا يبهت سحرها… علّمنا أن البساطة جمال ، وأن العطاء كمال، وأن القلوب إذا صفت عادت كما كانت… بيضاء كأول هلال، ونقية كأول دعاء.