دهاة العرب.. الحكمة السعودية تُفشل حيل الاستنزاف
بقلم المستشار: محمد بن سعيد أبوهتلة
في زمنٍ تتشابك فيه المصالح، وتتعدد فيه أدوات الصراع، ولم تعد الحروب تُدار بالمدافع والصواريخ وحدها، بل بالحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية، وبمحاولات الاستدراج والاستنزاف وإرباك الخصوم؛ تبرز المملكة العربية السعودية نموذجًا لدولةٍ تعرف كيف تقرأ المشهد، وكيف تنظر إلى ما وراء الحدث، وكيف تتخذ قرارها بعيدًا عن الانفعال وردود الأفعال.
وهنا يحضر معنى طالما ارتبط بالعقل السياسي العربي: "دهاة العرب".
وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا قصص دهاة العرب أمثال عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبدالعزيز وحُسن التدبير، فإن المملكة العربية السعودية اليوم تقدم داهيةً من دهاة العرب، وهو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي نستطيع أن نقول عنه "داهية العرب في هذا العصر"، حيث يقدم نموذجًا معاصرًا في إدارة الأزمات، يقوم على قراءة دقيقة للمخاطر، وبناء البدائل، وعدم السماح للآخرين بتحديد مصيرنا.
وخلال الحرب الإقليمية الأخيرة مع إيران، واجهت دول الخليج ضغوطًا ومخاطر غير مسبوقة، وكان من بين السيناريوهات التي خُطِّط لها محاولة توسيع دائرة الصراع وإقحام دول المنطقة في مواجهة مباشرة تستنزف أمنها واقتصاداتها ومقدراتها. وكان الموقف السعودي قائمًا على إدراك عميق لطبيعة الصراع: ليس كل صراع يجب أن تكون جزءًا منه، وليس كل استفزاز يستحق أن يتحول إلى حرب، وليس كل فخٍّ يُنصب ينبغي أن تقع فيه.
فالدولة الحكيمة لا تقيس قوتها بعدد المعارك التي تدخلها، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها وتجنب المعارك التي لا تخدم أهدافها. وهذا هو جوهر الحكمة السياسية.
مضيق هرمز.. والبدائل التي بُنيت قبل الأزمة
عندما أصبح مضيق هرمز جزءًا أساسيًا من حسابات الأزمة الإقليمية، ومن المؤثرات في تجارة النفط والاقتصاد العالمي، ظهر بوضوح معنى آخر من معاني التخطيط السعودي طويل المدى. فالمملكة لم تنتظر وقوع الأزمة حتى تبحث عن البدائل؛ بل بنت منذ عقود منظومة استراتيجية، من أهم عناصرها خط أنابيب شرق-غرب، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يوفر للمملكة مسارًا بديلًا عن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز.
وهذه ليست مجرد منشأة نفطية. إنها مثال على أن القرارات الاستراتيجية الحقيقية تُبنى قبل الأزمات بسنوات، وأن الدولة التي تعرف قيمة موقعها وثرواتها ومكانتها لا تنتظر حتى تُغلق أمامها الأبواب لتبدأ في البحث عن مخرج.
وفي الأزمات الأخيرة، أثبت خط شرق-غرب أهميته مرة أخرى، إذ استخدمته المملكة لتوسيع قدرتها على تصدير النفط بعيدًا عن مناطق التوتر، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في البنية التحتية الاستراتيجية ليس ترفًا اقتصاديًا، بل جزء من منظومة الأمن الوطني.
ولم تكن محاولات استهداف منشآت النفط السعودية جديدة؛ فقد تعرضت منشآت مرتبطة بخط شرق-غرب لهجمات في سنوات سابقة، كما تعرضت منشآت ومسارات الطاقة السعودية لهجمات خلال التصعيد الإقليمي الأخير.
لكن اللافت للنظر أن هذه الاعتداءات لم تحقق الهدف الأكبر الذي قد يسعى إليه من خطط لها، وهو إدخال المملكة في حرب استنزاف مفتوحة، وتعطيل قدرتها على اتخاذ القرار المستقل.
فالمملكة تعاملت مع التهديدات باعتبارها جزءًا من أمنها الوطني، واتخذت إجراءاتها وفق ما تراه مناسبًا من وسائل دفاعية ودبلوماسية وأمنية، دون أن تسمح بأن يتحول كل اعتداء إلى قرار متسرع يجر المنطقة إلى ما لا تُحمد عقباه.
وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تتحرك تحت ضغط الحدث، والدولة التي تتحرك وهي تعرف ماذا تريد.
المملكة.. رقم صعب في حسابات العالم
إن الذين يراقبون المملكة العربية السعودية اليوم يدركون أن الحديث عنها لم يعد حديثًا عن دولة نفطية فحسب. إنها دولة ذات وزن اقتصادي عالمي، وموقع استراتيجي بالغ الأهمية، وثقل سياسي ودبلوماسي متزايد، وفوق ذلك كله هي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ومهوى أفئدة أكثر من مليار مسلم حول العالم.
ومن الطبيعي، في ظل هذه المكانة، أن تكون المملكة محل اهتمام القوى الدولية والإقليمية، وأن تتقاطع حولها مصالح متعددة. لكن المملكة تعرف شيئًا مهمًا: أن قوة الدولة لا تكمن في حجم ما تملكه فقط، وإنما في قدرتها على إدارة ما تملكه.
وهذه الإدارة تحتاج إلى قيادة تعرف متى تتقدم، ومتى تتريث، ومتى تفاوض، ومتى ترد، ومتى تترك للزمن وللدبلوماسية أن يؤديا دورهما.
قيادة تُحسن قراءة المشهد
ومن هنا يأتي تقديرنا لقيادتنا السعودية. فنحن، كمواطنين سعوديين، نحمد الله على أن سخّر لهذه البلاد قيادةً تحمل مسؤولية وطنٍ بهذه المكانة، وتدرك حجم التحديات التي تحيط به، وتعمل على تعزيز قوته ومكانته واستقلال قراره.
ولنا قيادة حكيمة ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وهما يقودان المملكة في مرحلة تاريخية دقيقة، تشهد تغيرات كبرى في المنطقة والعالم.
وخلف هذه القيادة أبناء الوطن المخلصون الذين يعملون في مختلف مؤسسات الدولة: في السلك الدبلوماسي، والقوات المسلحة، والأمن، والاقتصاد، والطاقة، والثقافة، والإدارة، وكل مجال من مجالات بناء الدولة.
وهؤلاء جميعًا جزء من منظومة وطنية متكاملة، هدفها الأول حماية المملكة ومصالحها ومقدراتها ومكانتها.
نحمد الله على نعمة القيادة والوطن
ولا يسعنا إلا أن نحمد الله على نعمة القيادة والوطن، التي يحسدنا الكثير عليها، وعلى ما أنعم الله به علينا من أمن واستقرار ووحدة وطنية ومكانة دولية.
ونحن لا نملك أمام هذه النعم إلا أن نقول:
الحمد لله على وطنٍ جمع الكلمة ووحّد الصف.
والحمد لله على قيادةٍ جعلت من وحدة المملكة واستقرارها أولوية.
والحمد لله على شعبٍ أثبت عبر الأجيال أن علاقته بوطنه وقيادته ليست علاقة ظرفية، وإنما امتداد تاريخي راسخ.
ونحن إذ نجدد البيعة والولاء والإخلاص لقيادتنا، فإننا نجددها عن قناعةٍ بأن المملكة العربية السعودية أصبحت، بفضل الله ثم بتضحيات رجالها وقيادتها وشعبها، دولةً ذات حضورٍ وتأثيرٍ ومكانة.
ومن هنا، فإن الحديث عن "دهاة العرب" ليس مجرد عبارة تُقال في لحظة حماس؛ بل هو وصفٌ لمعنى أعمق: الحكمة في اتخاذ القرار، والقدرة على قراءة المخاطر، والصبر على صناعة المواقف، والقوة حين تقتضي القوة، والدبلوماسية حين تكون الدبلوماسية أكثر فاعلية.
تلك هي المملكة العربية السعودية.
دولة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها.
ولا تستسلم للاستفزاز، ولا تسمح بأن تُدار قراراتها من خارج حدودها.
تبني قوتها في هدوء، وتعرف أن أعظم الانتصارات أحيانًا ليست في خوض المعركة، وإنما في إفشال الهدف الذي أراد الخصم أن يجرّك إليه.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأدام على بلادنا أمنها وعزها ووحدتها واستقرارها، وحفظ رايتها عاليةً خفاقة، وأدام عليها نعمة الحرمين الشريفين، وأدام بين قيادتها وشعبها المحبة والوفاء والولاء.
وطنٌ عظيم.. وقيادةٌ تعرف طريقها.. وشعبٌ يعرف قيمة وطنه.