ثماني دقائق تختصر موقف دولة
بقلم خليل القريبي
مستشار ثقافي وإعلامي
ثماني دقائق تقريبًا كانت كافية كي يرسم الخطاب الملكي السنوي، الذي ألقاه سمو سيدي ولي العهد نيابة عن سيدي خادم الحرمين الشريفين أمام مجلس الشورى، صورة المملكة من الداخل إلى محيطها الخليجي والعربي والإسلامي، وصولًا إلى مسؤولياتها تجاه العالم؛ خطابٌ مكثف في زمنه، واسع في دوائره، جمع بين ثوابت الدولة ومنجزاتها ومواقفها تجاه أكثر ملفات المنطقة حساسية.
بدأ الخطاب من الجذور، حيث تستقبل الدولة يوم التأسيس القادم وقد أكملت 300 عام منذ نشأتها، مستندة عبر مراحلها إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومتمسكة بالتوحيد والعدل، ومن هذا العمق التاريخي انتقل إلى شرف خدمة الحرمين الشريفين وعمارتهما ورعاية قاصديهما، باعتبار ذلك التزامًا متوارثًا وشرفًا عظيمًا ارتبط بالدولة وقيادتها.
ومن التاريخ إلى المواطن، جاءت الأرقام لتروي جانبًا من قصة التحول؛ مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات رؤية 2030 التي حققت 93% من مستهدفاتها، والصادرات غير النفطية سجلت نموًا بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51%، وخلف هذه النسب حياة يومية واقتصاد يتغير وفرص تتسع، مع استمرار العمل على خفض البطالة، وتنمية رأس المال البشري، وتطوير القطاع العقاري وتوسيع خيارات التملك.
ثم اتسعت الدائرة؛ فالأمن الخليجي ظهر كمنظومة مترابطة، فيما حملت فلسطين حضورها الراسخ في الموقف السعودي، بالتأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية، وفي السودان جددت المملكة دعم وحدته واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية، وفي اليمن أكدت دعم الحكومة الشرعية لبسط سلطتها واستعادة الاستقرار والتصدي لاعتداءات ميليشيا الحوثيين.
أما العالم، فكان حاضرًا من بوابة أمن الطاقة والممرات البحرية؛ فالمملكة التي تؤدي دورًا محوريًا في استقرار إمدادات الطاقة، أكدت أهمية حماية الممرات البحرية الدولية ورفض تحويلها إلى أدوات ضغط سياسي أو اقتصادي، مع العمل على خفض التصعيد وتعزيز الحلول الدبلوماسية.
في ثماني دقائق، امتد الخطاب بين ثلاثة قرون من التاريخ، ومستهدفات 2030، والحرمين الشريفين، والمواطن، والخليج، وفلسطين، واليمن، والسودان، وأمن الطاقة والممرات البحرية. كانت الخريطة واسعة، والرسالة مركزة: دولة ترسخ جذورها، تبني مستقبلها، وتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها ومحيطها والعالم.