حين يفشل الاتحاد لا المنتخب
د. طلال الحربي
ليست المشكلة في خسارةٍ نتجرّعها، فالكرة نتائجها مفتوحة على الفوز والخسارة. المشكلة أن نخرج من كأس العالم في قاع مجموعتنا، بهدفٍ واحدٍ سجّلناه وخمسةٍ تلقّيناها، بعد اثنتين وثلاثين سنةً من مشاركةٍ أولى بلغنا فيها الدور الثاني وأبهرنا العالم. حينها، عام 1994، كان منتخباً ناشئاً في تجربته الأولى يصعد، واليوم منتخبٌ راكم الخبرة والإمكانات يهبط. هذا وحده يكفي ليطرح السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون: ما الذي تغيّر، ولماذا صار حالنا أسوأ كلّما ازداد الدعم وتعاظمت الموارد؟
دعونا نقرأ المباريات كما هي، بلا تجميل. تعادلٌ مع أوروغواي بهدفٍ لهدف بدأنا فيه بشجاعةٍ ثم تقوقعنا دفاعاً عن نقطة، وخسارةٌ كبيرة أمام إسبانيا بأربعة أهدافٍ نظيفةٍ انهار فيها البناء كلّه تحت أول ضغطٍ جادّ، ثم تعادلٌ سلبيٌّ مع الرأس الأخضر منتخبٌ بلده لا يقارن بإمكاناتنا عجزنا فيه عن صناعة فرصةٍ واحدةٍ تستحقّ الذكر. ثلاث مباريات، وهويّةٌ واحدةٌ غائبة. لم نعرف هل نحن فريق استحواذٍ أم ارتدادٍ، فريق ضغطٍ عالٍ أم تكتّلٍ خلفي. خرجنا من غير أن نترك بصمةً نتذكّرها، ولا حتى تلك المفاجأة التي صنعناها أمام الأرجنتين قبل أربع سنواتٍ ثمّ بدّدناها بالخروج المبكر.
الخلل أعمق من تشكيلةٍ أو تكتيك. إنه خللٌ في البناء: عمودٌ فقريٌّ تجاوز ذروته نراهن عليه مباراةً بعد أخرى، ودماءٌ شابةٌ غائبةٌ عن المراكز الحاسمة، واعتمادٌ شبه كاملٍ على وميض سالم الدوسري وكأن المنتخب رجلٌ واحد. وحين يُغيّب التخطيط، تُولد الارتجالية: دخلنا أضخم بطولةٍ في العالم بمدرّبٍ جورجيوس دونيس لم يُمسك بزمام الفريق إلا قبل أسابيع، خلفاً لإيرفي رينارد، في حفنة مبارياتٍ لا تكفي لتكوين فكرةٍ فما بالك ببناء مدرسة. وهكذا تتكرّر الدائرة ذاتها منذ سنوات: نخسر، فنقيل المدرب، فنستقدم سواه، فنخسر من جديد، ونحن نعالج العَرَض ونترك المرض.
والمرض اسمه الإدارة. فلنكن منصفين مع الحقيقة كاملةً: لم يبخل هذا الوطن على كرته بشيء. القيادة حفظها الله جعلت الرياضة في صدارة اهتمامها، وأغدقت من الدعم ما تتمنّاه منتخباتٌ كبرى، حتى صار دورينا قبلةً لنجوم العالم وملاعبنا تحفاً عالمية. كلّ مقوّمات النهضة حاضرة، والعجز الوحيد هو في من يُمسك بزمام الاتحاد فيعجز عن تحويل هذا الكرم إلى منتخبٍ يشرّف. بل إن القصور تجاوز المستطيل الأخضر إلى أبسط الواجبات؛ فحين عجز الاتحاد عن تأمين تذاكر تليق بجماهيره في أمريكا، بما يتعدّى ما خصّصه «الفيفا»، أدركنا أن الخلل إداريٌّ في جوهره قبل أن يكون فنياً.
من هنا تأتي المطالبة، صريحةً بلا مواربة: من عجز هذا العجز المتكرّر فليتنحَّ. الاستقالة هنا ليست انتقاماً ولا تشفّياً، بل أوّل خطوةٍ في طريق الإصلاح، واعترافٌ بأن المسؤولية تكليفٌ يُحاسب صاحبه على ثمرته. لقد منح الاتحاد فرصةً تلو الأخرى، وأثبت نسخةً بعد نسخةٍ أنه دون حجم الطموح السعودي وحجم الدعم الذي يحظى به. والوفاء لهذا الوطن يقتضي أن نضع المصلحة فوق المناصب، وأن نفتح الباب لمن يقدر على ما عجزنا عنه.
أما العلاج فمعلومٌ لمن يصدُق في إرادته. أوّله حوكمةٌ صارمةٌ تربط بقاء ألاتحاد بنتائجه، وتُخضع القرار للمحاسبة لا للأهواء. وثانيه مشروعٌ فنيٌّ طويل النَّفَس لا يُنسف عند أول تعثّر، يُمنح فيه المدرب الوقت والصلاحية ليزرع فكراً يثمر بعد سنوات. وثالثه إعادة توازنٍ في سياسة الدوري، بحيث لا تتحوّل وفرة المحترفين الأجانب إلى جدارٍ يُقصي لاعبينا عن المراكز المفصلية ودقائق اللعب الحقيقية، فمن لا يلعب في ناديه لا يصنع منتخباً. ورابعه استثمارٌ صبورٌ في الناشئين والأكاديميات يبني جيلاً ينافس في المونديالات القادمة، لا جيلاً يُستهلك في بطولةٍ ثمّ نُحمّله وحده وزر الفشل.
وفي 2034 موعدٌ لا يحتمل التأجيل. ستفتح المملكة أبوابها للعالم مونديالاً على أرضها، وسيكون مؤلماً أن نُحسن استضافة الكرة ونعجز عن منافستها. لدينا من الوقت ما يكفي لبناءٍ حقيقي، شريطة أن نبدأ من حيث يجب: من إصلاح بيت الكرة وقيادته، لا من تغيير وجوهٍ على الأطراف. فإمّا اتحادٌ يرقى إلى مستوى وطنٍ منحه كلّ شيء، وإمّا أن يُخلي الطريق لمن يفعل. والإصرار على إدارة الفشل بأدوات الفشل نفسها لن يقودنا إلا إلى خيبةٍ جديدةٍ في كل موعدٍ مقبل.