ماذا تكشف إشادة إسلام آباد بالرياض؟
بقلم: د/ محمد الأنصاري
أستاذ القانون الدولي
------------------------------
لماذا اختارت باكستان، في اتصال 20 يونيو 2026، أن تمنح الدور السعودي هذا القدر من الإشادة في دعم الحوار الإقليمي؟ السؤال ليس بروتوكولياً، بل سياسي في جوهره. فباكستان دولة تحافظ على توازن دقيق بين الرياض وطهران وبكين وواشنطن، ولا تُبدي إشادة بهذا المستوى دون حسابات دقيقة. ولذلك فإن الاتصال الذي جرى بين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ودولة رئيس الوزراء الباكستاني السيد محمد شهباز شريف يستحق قراءة تتجاوز البيان الرسمي.
ورغم أن مثل هذه الاتصالات تندرج في إطار العلاقات الثنائية والتشاور المستمر بين الدول الصديقة، فإن ما يلفت الانتباه هو تركيز الجانب الباكستاني على الدور السعودي في دعم الحلول السياسية وتشجيع الحوار في عدد من الملفات الإقليمية. فهذه الإشادة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعكس إدراكاً متزايداً للمكانة التي باتت تحتلها المملكة في المشهد السياسي الإقليمي والدولي.
أما الإشادة الباكستانية بالجهود التي بذلتها المملكة لدعم التوصل إلى مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فهي الأكثر دلالة في هذا الاتصال. فباكستان ترتبط بإيران بحكم الجوار والمصالح الأمنية المشتركة على الحدود، وفي الوقت ذاته ترتبط بالرياض اقتصادياً وسياسياً. وعندما تُشيد إسلام آباد بالدور السعودي في ملف شديد الحساسية كمذكرة التفاهم، فذلك يُشير إلى أن الرياض باتت تُقرأ لدى شركائها طرفاً مُيسِّراً للحوار الإقليمي.
واللافت في هذا السياق أن الإشادة جاءت من دولة ترتبط بعلاقات متوازنة مع أطراف دولية وإقليمية متعددة، وهو ما يمنح هذا التقدير بعداً سياسياً يتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، ويعكس إدراكاً متنامياً للدور الذي تؤديه المملكة في دعم الحوار وتعزيز الاستقرار في مرحلة بالغة التعقيد.
على مدى السنوات الأخيرة، توسعت السياسة الخارجية السعودية نحو بناء شراكات مع أطراف متعددة وفتح مسارات حوار في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة. وقد أسهم هذا التوجه في منح المملكة نفوذاً سياسياً متنامياً إلى جانب ثقلها الاقتصادي، وجعل عدداً متزايداً من شركائها الإقليميين يرون فيها طرفاً قادراً على تقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الاستقطابات السياسية.
وفي ظل هذه التحديات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، تؤدي المملكة دوراً فاعلاً في دعم الجهود الرامية إلى خفض التوترات وتعزيز فرص السلام. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الاتصال السعودي الباكستاني باعتباره مؤشراً على تنامي الحضور السياسي للمملكة وعلى اتساع دورها في القضايا الإقليمية.
في المحصلة، لا تكمن أهمية هذا الاتصال في تفاصيله البروتوكولية، بل فيما يكشفه من تحولات في طريقة نظر الشركاء الإقليميين إلى المملكة. فحين تُشيد باكستان بدور سعودي في ملف إيراني حساس، فإن ذلك يعكس تنامي الثقة بالدور السعودي في دعم الحوار.