مياه جازان… بين التخزين السطحي وتجدد الحياة في باطن الأرض
جازان - نوح مجممي
في لقاء مع الخبير الزراعي أ. حسن حبيبي
اوضح فيه بإسهاب الوضع المائي في جازان
الواقع والمأمول
للإجابة عن كل مايدور من اسئلة عن الأمن المائي في منطقة جازان
اجاب بالاتي
في كل قطرة ماءٍ تسيل عبر أودية جازان، تختبئ حكاية توازنٍ دقيق بين الطبيعة والإنسان؛ توازنٌ إن اختلّ، اختلّت معه معادلة الحياة. فالماء في هذه المنطقة ليس مجرد موردٍ عابر، بل هو نظامٌ متجدد، يتغذّى مع كل موسم مطر، ويُعيد بناء نفسه في باطن الأرض بصورةٍ مستمرة، وكأن الطبيعة وهبته خاصية البقاء والتجدد — بعد مشيئة الله.
ويُخطئ من يظن أن جازان قائمةٌ على نهرٍ جارٍ دائم؛ فالحقيقة أن ما نشهده — بعد قدرة الله — هو جريان أوديةٍ وسيولٍ موسمية، هي التي شكّلت عبر الزمن المصدر الحقيقي للمياه، وهي التي تقوم بدورٍ جوهري في تغذية الخزانات الجوفية التي تعتمد عليها الآبار.
إن مياه جازان تُعدّ — بطبيعتها — مياهًا متجددة؛ لأنها لا تُخزَّن في مكانٍ واحد، بل تدور في دورةٍ متكاملة تبدأ من هطول الأمطار، مرورًا بجريان الأودية، وانتهاءً بتسرّبها إلى باطن الأرض مختلطة بالرمل، حيث تُحفظ بعيدًا عن الفقد، ثم تُستخرج عند الحاجة. وهذه الخاصية هي سر استدامة الماء والخضرة في المنطقة عبر الأجيال.
غير أن ما حدث في العقود الأخيرة هو إيقاف جزءٍ كبير من هذا الجريان الطبيعي، من خلال بناء السدود، واستحداث مواقع ظُنَّ أنها زراعية — خصوصًا في الأراضي الصخرية — تحتجز المياه لفتراتٍ طويلة، مما يقلل من فرص تسرّبها إلى الطبقات الأرضية. ومع أن هذه الإجراءات تهدف إلى حفظ المياه، إلا أنها في بعض الحالات قد تُضعف أحد أهم مصادر تجددها.
إن المياه الجوفية ليست مجرد مخزونٍ احتياطي، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الحياة الزراعية والإنسانية في المنطقة.
كما أن تخزين المياه في باطن الأرض يجعلها أكثر أمانًا وأقل عرضةً للفقد، بخلاف بحيرات السدود التي تتعرض يوميًا للتبخر بفعل الحرارة، وهو فاقدٌ قد يفوق — في بعض الأحيان — ما يُستفاد منه عبر نقل المياه إلى محطات التنقية.
ولعل الصورة تتضح أكثر من خلال مثالٍ بسيط: رجلٌ يملك دخلًا جيدًا، لكنه يقرر ادخاره بالكامل دون أن ينتفع به أو يوجّهه لما يحفظ صحته ومستقبله، حتى يجد نفسه لاحقًا مضطرًا لإنفاقه على العلاج بعد أن فقد عافيته. كذلك هو حال الماء؛ فاحتجازه دون إدارةٍ متوازنة قد يحرمنا من الاستفادة الحقيقية منه.
إن التجربة الإنسانية عبر التاريخ تؤكد أن الماء المخزون في باطن الأرض هو المصدر الأكثر ثباتًا واستدامة؛ فالإنسان يعتمد على الآبار، وسائر المخلوقات تنتفع بما يتجمع من مياهٍ في الطبيعة. وما يُلاحظ من ازدياد عمق المياه الجوفية في بعض مواقع المنطقة قد يكون مرتبطًا بتقليل جريان السيول ومنعها من أداء دورها الطبيعي في تغذية هذه الخزانات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إدارةٍ أكثر توازنًا للمياه، تقوم على مبدأ الاستفادة دون تعطيل دورة التجدد. فبدلًا من حجز المياه بشكلٍ كامل، يمكن إطلاقها بطريقةٍ مقننة، لتسير في مجاري الأودية، وتؤدي دورها في تغذية باطن الأرض؛ وعندها تتحقق الاستفادة من حفر الآبار في المواقع الغنية بالمياه.
أما الاعتماد على مياه السدود كمصدرٍ رئيس عبر محطات التنقية، فإنه — رغم أهميته — لا يمثل إلا جزءًا محدودًا من الصورة الكلية، مقارنةً بما يُفقد من المياه بسبب التبخر.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الماء فقط، بل في فهم طبيعته وإدارته بما يحافظ على تجدده. فالماء في جازان ليس موردًا يُستهلك فحسب، بل هو دورة حياةٍ متكاملة، تبدأ من السحاب، وتنتهي في باطن الأرض، لتعود من جديد حين نحتاجها
وفي نهاية اللقاء المقتضب تشكر صحيفة (الحدث) أ. حسن حبيبي
على هذه المعلومات القيمة متمنية له التوفيق والنجاح الدائم.
