ثلاث سنوات من العزلة
بقلم - عُلا الشيمي
بعد طول غياب، بدا الزمن وكأنه ثلاثة قرون، وربما لو قيس بعمق إحساسي لتجاوز ذلك بكثير.
كان هدفي أن أُنهي روايتي الثالثة، غير أن كارثة اعترضت طريقي، فوجدتني أتنقل بين كتابة فصولي ومراقبة تلك الكارثة بترقبٍ حاد.
لم تكن أيام العزلة مجرد ثلاثمئة وخمسة وستين يومًا في السنة، بل كانت زمنًا متصلًا من الانفصال، كجمادٍ كُسرت دعائمه وأُلقي به في مستودعٍ معتمٍ مهمل.
جلست أراقب مرور الوقت كما لو أنني أحدّق فيه بعدسةٍ مكبّرة؛ أعدّ الثواني وأزن الدقائق.
في البدء، كان لصوته وطأةٌ مزعجة، نغمة خفية تتصل مباشرة بأدريناليني، فتثير اضطرابي وتضاعف توتري.
كنت أراقب، وأمعن النظر تارة، وأغرق في صمتٍ عميق تارةً أخرى، أستمع إلى خفقان قلبي وهو يتسارع، يتصاعد صوته حتى يخترق سكوني.
وكان صوت حنجرتي، وهي تبتلع الغصة تلو الأخرى، يعلو بدوره، حتى غدوت أقيس زمن الألم بمسافة عبور تلك الغصة من حلقي إلى معدتي المضطربة.
كل ما حولي بدا غريبًا في البداية، غير مألوف، إلى أن تلاشت تلك الاضطرابات تدريجيًا، وبدأ صوت آخر يتشكل…
صوت طبول التفكير.
إيقاعٌ منتظم، كجلسة تحضيرٍ دقيقة، لا يعلو فيه لحنٌ على آخر، أوركسترا متكاملة من الأفكار، تتبع نوتة واحدة، بلا قائد، بلا مايسترو، لكنها تنسجم في فوضى مدهشة.
كنت أراقب من فتحةٍ ضيقة في منتصف الجدار، لا يتجاوز قطرها فتحة إبرة.
أراقب…
ما هذا الذي أراه؟
كيف يحدث؟
ولماذا؟
أسئلة تتكرر بلا إجابة.
جموع من البشر تتدفق عبر تلك الفتحة الضيقة، صخبٌ متداخل، أصواتٌ بين مزامير وهمسات وصرخات، ووجوه فقدت ملامحها؛ عينٌ في غير موضعها، وأنفٌ في غير مكانه، وتشوهات لا تقتصر على الملامح، بل تمتد إلى الجوهر.
حتى النساء، بدت زينتهن مشوشة، كأنها وُضعت بعشوائية، بلا عناية، بلا روح.
كنت منزعجة…
مني، ومنهم، ومن المكان، ومن مرور الوقت ذاته.
كان الزمن يزحف ببطءٍ موجع، كأقدامٍ حافية تعبر فوق أمواس حادة.
هكذا تبدو العزلة… باختصارٍ قاسٍ.
ليست العزلة فراغًا، بل امتلاءٌ مثقل.
هي هروب من ضجيجٍ جارح، من كلماتٍ تُقذف كالحجارة، تستقر في العقول، وتغوص في النفوس، وتؤذي السمع كما تؤذي الروح.
هذا أثرها في الأصحاء، فكيف بمن هم أكثر هشاشة؟
العزلة ليست خيارًا دائمًا، بل نتيجة.
نتيجة تنمرٍ لم تُفلح كل مظاهر الوعي والتقدم في اجتثاثه.
يدفع ثمنه الصغير قبل الكبير، ولا ينجو منه أحد، حتى الجماد يكاد يتأذى من قسوته.
وكأننا غفلنا عن قوله تعالى:
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
وكأننا لم نصغِ لقول المصطفى:
“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
علّموا أبناءكم…
أن الكلمة قد تكون مأوى، وقد تكون منفى.
أن التنمر لا يجرح لحظة، بل قد يصنع عزلة تمتد لسنوات.
وما أقسى أن يُسجن الإنسان داخل نفسه…
وما أبشعها من عزلة.