|

منتصف الطريق… حيث لا يعود أحد كما كان

الكاتب : الحدث 2026-04-03 11:56:06

بقلم : رائد الدوي 


ليست أصعب لحظة في التغيير… أن تبدأ،
بل أن تصل إلى منتصف الطريق… ولا تعود تعرف من أنت.
التغيير الذي لا يُروى
في البدايات، يبدو كل شيء واضحًا.
قرارك جريء، نيتك صادقة، والطريق—ولو كان طويلًا—يبدو مفهومًا.
تتقدم بخفة، وكأنك أخيرًا وضعت قدمك في الاتجاه الصحيح.
لكن ما لا يُقال كثيرًا…
أن التغيير لا يكشف حقيقته في البداية، بل في المنتصف.
حين يتلاشى الحماس،
ويهدأ الصوت من حولك،
وتبدأ الأسئلة التي لم تكن مستعدًا لها.
منتصف الطريق… حيث يبدأ الشك
هنا، لا تعود الأمور كما كانت.
تستيقظ يومًا، وتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كنت عليه،
وفي الوقت نفسه… لم تصل بعد إلى الشخص الذي أردت أن تكونه.
تقف بين نسختين:
واحدة تركتها خلفك،
وأخرى لم تكتمل بعد.
وفي هذه المسافة… يحدث كل شيء.
تبدأ الأسئلة بالتصاعد:
هل اخترت الطريق الصحيح؟
أم أنني اندفعت أكثر مما ينبغي؟
هل كانت قراراتي شجاعة… أم مجرد هروب مؤقت؟
ليس لأنك ضعيف…
بل لأنك دخلت العمق.
كما أشار ماركوس أوريليوس:
“العائق في الطريق… هو الطريق.”
حين تنسحب الوجوه
في البداية، يرافقك الكثير.
يشجعونك، يمدحونك، وربما يراهنون عليك.
لكن التغيير الحقيقي… لا يحتفظ بالجميع.
بعضهم يتعب من نسختك الجديدة،
بعضهم لا يفهمك،
وبعضهم… لم يكن معك أصلًا، بل مع ما كنت تمثله.
واحدٌ يبتعد بهدوء،
وآخر يختفي دون تفسير،
وثالث يكتفي بالصمت.
حتى تجد نفسك… وحدك.
وهنا، تتغير المعادلة.
لم تعد القوة في من يقف معك،
بل في قدرتك على الوقوف… دونهم.
معركتان… لا واحدة
في هذه المرحلة، أنت لا تقاتل معركة واحدة.
بل معركتين:
معركة التغيير…
ومعركة التشتت.
تتقدم خطوة، وتتراجع فكريًا خطوتين.
تحاول أن تثبت، بينما داخلك يميل.
تريد الاستمرار… لكنك لا تعرف إن كان هذا الطريق يستحق.
وهنا، الخطر الحقيقي ليس أن تفشل…
بل أن تتوقف لأنك لم تعد واثقًا.
ليست كل الضبابية ضياعًا
أصعب ما في منتصف الطريق…
أنه لا يمنحك تأكيدًا.
لا إشارة تقول لك “أنت على صواب”،
ولا صوت يطمئنك أن كل هذا العناء… له معنى.
لكن الحقيقة التي تتضح متأخرًا:
أن الوضوح لا يأتي قبل الاستمرار… بل بعده.
وأن كثيرًا من الطرق، لا تُفهم إلا بعد أن تُقطع.
إما أن تكمل… أو تعود كما كنت
في هذه اللحظة، يتحدد كل شيء.
ليس لأن الطريق تغيّر…
بل لأنك أنت من تُختبر.
هل ستنسحب لأنك تعبت؟
أم لأنك شككت؟
أم لأنك لم تجد من يصفق لك كما في البداية؟
أم ستكمل… فقط لأنك قررت أن لا تعود؟
الحقيقة البسيطة:
من يعود في منتصف الطريق…
لا يعود كما كان،
بل يعود وهو يعرف أنه كان قادرًا على أن يصبح أفضل… ولم يفعل.
في النهاية…
التغيير لا يصنع نسخة جديدة منك فقط،
بل يكشفك أمام نفسك.
يكشف صبرك،
صدقك،
وقدرتك على الاستمرار… حين لا يبقى شيء يدفعك إلا قرارك.
فإن وصلت إلى منتصف الطريق،
وشعرت بالضياع،
والوحدة،
والتردد…
فلا تفهم ذلك كعلامة فشل،
بل كعلامة أنك أخيرًا… في المكان الذي يتغيّر فيه الناس فعلًا.
لا تبحث عن طريقٍ واضح،
بل كن أنت من يُكمل الطريق.
لأن بعض النهايات لا يصلها إلا من تحمّل حيرة المنتصف.