إستهداف المواقع الحساسة قد يغيّر الحسابات
المستشار: محمد بن سعيد أبوهتله
--------------------------
المنطقة اليوم ليست على حافة التوتر فحسب، بل تقف فوق صفيح يغلي، حيث تتصاعد المؤشرات العسكرية بوتيرة مقلقة، وتنذر بانفجار قد يتجاوز كل حدود الصراع التقليدي.
فالمواقع الحساسة، لم تعد مجرد منشآت استراتيجية، بل أصبحت خطوطًا حمراء تختزل موازين القوة. فهي تمثل العمود الفقري للبرنامج النووي الإسرائيلي، وأي استهداف لها لن يكون حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول قد تعيد رسم معادلات الصراع بالكامل، لما تحمله من ثقل أمني واستراتيجي بالغ الحساسية.
إسرائيل، التي تفتقر إلى عمق استراتيجي حقيقي بحكم جغرافيتها، تعيش وسط بيئة إقليمية مشحونة بالخصومات والتوترات، وتعرف جيدًا أن الدول العربية المحيطة بها تتمنى زوالها. ومع الحديث المتزايد عن امتلاكها سلاح نووي ، تتصاعد المخاوف من أن أي تهديد وجودي قد يدفعها نحو خيارات أكثر خطورة، تتجاوز كل الحسابات التقليدية.
وفي حال غياب تدخل دولي حاسم لاحتواء التصعيد، فإن المشهد مرشح للانفلات، وقد تتدحرج الأحداث نحو سيناريوهات شديدة التعقيد، لا تقتصر تداعياتها على المنطقة، بل تمتد إلى العالم بأسره.
ميدانيًا، كشفت التطورات الأخيرة عن كثافة لافتة في استخدام القدرات الصاروخية الإيرانية والمسيّرات، مستوى لا يمكن فصله عن احتمالات الدعم القادم من قوى كبرى. كما أن استهداف مواقع استراتيجية في المنطقة يشير إلى استخدام تقنيات متقدمة في الرصد والاستهداف، وربما إلى الاستفادة من أنظمة الأقمار الصناعية في التوجيه والملاحة، وهو ما يتجاوز القدرات التقليدية لنظام الملالي في إيران، ويعكس بوضوح وجود دعم دولي خلف هذا التصعيد.
الأخطر من ذلك، أن بعض الضربات امتدت إلى دول خليجية، في سلوك يطرح علامات استفهام كبرى حول احترام مبادئ حسن الجوار والالتزامات الإقليمية. فاستهداف أراضي دول الخليج ليس مجرد خطأ عابر، بل تصعيد خطير يهدد استقرار المنطقة، ويقوّض أسس العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل.
وما استهداف مدينة الرياض مؤخرًا، بالتزامن مع اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، إلا مؤشر خطير على حالة التخبط في إدارة التصعيد، ويعكس عشوائية في توجيه الضربات دون تمييز واضح بين الأهداف، في مشهد يوحي بخلط الأوراق ومحاولة فرض واقع مضطرب على المنطقة بأكملها.
ورغم ذلك، تواصل القيادات الخليجية التمسك بأعلى درجات ضبط النفس، في موقف يعكس نضجًا سياسيًا ومسؤولية عالية، رغم امتلاكها القدرة الكاملة على الرد سياسيًا وميدانيًا. إنه خيار واعٍ يضع استقرار المنطقة فوق ردود الفعل المتسرعة.
التاريخ لا يترك لنا مجالًا للدهشة؛ فصراعات القوى الكبرى والإقليمية تتكرر، وتتبدل معها التحالفات وموازين القوة، لكن الحقيقة الثابتة أن الشعوب هي من تدفع الثمن الأكبر.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى الرهان على الحكمة، وعلى تدخل دولي جاد يوقف هذا الانحدار الخطير قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواؤها.
نسأل الله أن يحفظ بلادنا ودول الخليج من كل سوء، وأن يجنب المنطقة ويلات الحروب وصراعات لا رابح فيها .