|

النموذج السعودي للدولة المتوازنة: من الداخل إلى التأثير الدولي

الكاتب : الحدث 2026-02-14 01:15:54

بقلم: د. محمد الأنصاري 
أستاذ القانون الدولي 
--------------------------------- 


ترسّخ المملكة العربية السعودية اليوم نموذجًا متقدمًا للدولة المتوازنة، التي استطاعت، في زمن الاضطرابات والتحولات العالمية المتسارعة، أن تجمع بين الاستقرار السياسي، والحيوية الاقتصادية، والتنمية الشاملة، ضمن إطار إداري محكم ورؤية استراتيجية واضحة المعالم. ولم يكن هذا النموذج وليد الصدفة، بل جاء نتاج عمل مؤسسي متراكم، وقيادة واعية أدركت مبكرًا متطلبات المرحلة، وأحسنت قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية، ونجحت في تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتأثير.

فعلى الصعيد الداخلي، حافظت المملكة على استقرارها السياسي بوصفه حجر الأساس في مسيرة التنمية، من خلال نهج يقوم على ترسيخ وحدة الصف الوطني، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير مؤسسات الدولة بما يضمن كفاءة الأداء وعدالة القرار. وأسهم هذا الاستقرار في خلق بيئة داخلية آمنة ومحفزة، أتاحت إطلاق إصلاحات عميقة ومنظمة، وتوسيع دائرة المشاركة الوطنية في مسار البناء والتنمية، ضمن إطار يحفظ الثوابت ويواكب متطلبات التحديث.

وفي سياستها الخارجية، انتهجت المملكة مقاربة متزنة تقوم على احترام السيادة الوطنية للدول، وتغليب الحوار والدبلوماسية، والعمل على خفض التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وقد أكسبها هذا النهج مكانة موثوقة على الساحة الدولية، وجعلها طرفًا فاعلًا في معالجة القضايا الكبرى، وشريكًا أساسيًا في الجهود الرامية إلى دعم الأمن والسلم الدوليين، ومكافحة الإرهاب، وحماية المصالح المشتركة.

اقتصاديًا، شهدت المملكة حراكًا واسعًا أعاد صياغة بنية الاقتصاد الوطني، وأرسى قواعد التنويع والاستدامة. وشكّلت رؤية السعودية 2030 نقطة تحول مفصلية، انتقلت بالمملكة من اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد متعدد المحركات، قائم على الاستثمار، والابتكار، وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي والإمكانات البشرية. وأسهمت الإصلاحات الهيكلية في تحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز دور القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات النوعية، بما انعكس إيجابًا على معدلات النمو، وخلق فرص العمل، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

ولم تكن التنمية في المملكة حكرًا على المؤشرات الاقتصادية، بل جاءت شاملة ومتوازنة، وضعت الإنسان في قلب الاهتمام بوصفه الهدف الأول للتنمية ووسيلتها في آن واحد. فقد شهدت قطاعات التعليم، والصحة، والإسكان، والنقل تطورًا ملموسًا، مدعومًا بتوسع الخدمات الرقمية، وتحسين جودة الحياة، وتوفير منظومة حماية اجتماعية أكثر كفاءة وشمولًا. كما برز تمكين المرأة والشباب كأحد أهم ملامح المرحلة، حيث أُتيحت لهم فرص أوسع للمشاركة في سوق العمل، وصنع القرار، والإسهام الفاعل في مسيرة التحول الوطني.

وتجلّت قوة الإدارة السعودية في قدرتها على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ بكفاءة عالية، عبر منظومة حوكمة واضحة، وآليات متابعة دقيقة، وربط الأداء بالمؤشرات والنتائج. وأسهمت إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية، واستحداث الهيئات المتخصصة، في تسريع وتيرة الإنجاز، وتعزيز التكامل بين الجهات، وتحقيق الانسجام بين السياسات الاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية، بما يخدم الأهداف الوطنية طويلة المدى.

وعلى المستوى الدولي، عززت المملكة حضورها كقوة إقليمية ودولية ذات ثقل سياسي واقتصادي، من خلال مشاركتها النشطة في المحافل الدولية، ومبادراتها في مجالات الطاقة، والتنمية المستدامة، والعمل الإنساني. كما لعبت دورًا محوريًا في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي، وتقديم الدعم الإغاثي والإنساني في مناطق الأزمات، ما عزز صورتها كدولة مسؤولة تمارس تأثيرها بوعي واتزان.

ويكتسب هذا النموذج المتوازن أهميته من كونه لا يستجيب فقط لمتطلبات اللحظة الراهنة، بل يؤسس لمسار طويل الأمد يقوم على الاستدامة، وتعزيز القدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية. فالمملكة لا تبني إنجازاتها على حلول آنية، بل على سياسات عميقة الجذور، تستند إلى التخطيط بعيد المدى، وتنمية رأس المال البشري، وتوظيف التقنية والابتكار، بما يضمن استمرارية النمو، ويحافظ على المكتسبات، ويعزز جاهزية الدولة لمستقبل أكثر تنافسية وتأثيرًا.

إن ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم من حراك سياسي، واقتصادي، وتنموي متكامل، يعكس بوضوح قدرة الدولة على إدارة حاضرها بثقة، واستشراف مستقبلها برؤية طموحة. فقد نجحت السعودية في ترسيخ نموذج للدولة التي تجمع بين الثبات والتجديد، وبين القوة والمرونة، وبين التنمية الوطنية والتأثير الدولي، مؤكدة أن التوازن ليس خيارًا مرحليًا، بل نهج دولة راسخ يمضي بها بثبات نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.