×

مقالات عامة

تعلّم قبل أن تتألم 

بقلم: ملهي شراحيلي 13-01-2021 5585

ربما يكون أحد أسباب قراءتك لمقالي هذا هو ماتربّيت عليه منذ نعومة أظافرك! وربما بسبب أحد معلّموك الأفاضل الذين غرسوا فيك حب القراءة.....وربما لأسباب أخرى 
وأي يكن السبب فما أردّتُ بهذا سوى لفت انتباهك إلى أن هذا الجانب ماهو إلا نافذة صغيرة للعديد من المهارات والمواهب التي تربينا عليها منذ الصغر ولازلنا تتمسك بها.
قال عبدالملك بن مروان رحمه الله تعالى لأولاده يوماً:
يا بَنِيَّ، عليكم بالأدب والعلم، فإن كنتم فقراء عِشْتُم، وإن كنتم أغنياءَ سُدْتُم، وإن كنتم سادةً فُقْتُم، واستفيدوا مِن الأدب ولو بكلمة واحدة، فمن لم يكتسبْ به مَالاً، اكتسبَ به جَمَالاً.
 وقال المؤمّل الكوفي رحمه الله تعالى: [من البحر البسيط]
يَنْشا الصغيرُ على ما كانَ والدُهُ 
 إنّ العُرُوقَ عليها يَنْبُتُ الشجرُ.
وقديماً قال أحد الحكماء :
 الابنُ مع أبيه واحدٌ مِن ثلاثةِ رجالٍ: 
لاحقٌ، أو ماحقٌ، أو سابقٌ.. فاللَّاحقُ: هو الذي يلحقُ أباهُ في شرَفهِ، والماحقُ: هو الذي يمحقُ شَرفَ أبيهِ بِسُوءِ فِعَالِهِ، والسابقُ: هو الذي يسبقُ أبَاهُ ويَفُوقُهُ في الشَّرفِ.
قال الشاعر: [من البحر الوافر]
مشى السَّرَطانُ يوماً باعوجاجٍ 
فقلَّدَه بمشيته بَنُوهُ 
وينشأُ ناشئُ الفِتيان مِنّا 
على ما كان عَوَّده أبوهُ .

هل لاحظت أخي الكريم أن الأبيات السابقة تركز على الأب فقط!!!
ولو بحثت في أمهات كتب الأولين فلن تجد سوى الأب ! فهو في نظرهم المسؤل الأول والأخير عن التربية والتعليم لأبنائه، ويرون كل عيب في الأبناء بسبب عيب ما في الأب!!
ومن وجهة نظري الشخصية أن السبب في ذلك ربما أنهم يرون كل معلَّمٍ أب، وليس كل أب معلّم، وربما لأنه لم تكن لديهم مدارس يُسند إليها تربية وتعليم أبنائهم، وربما هناك أسباب أخرى، أتمنى أن تجدها بنفسك من خلال بحثك. 
أما الشاعر المعاصر حافظ إبراهيم رحمه الله فقد أضاف الأم في رائعته التي مطلعها 
كَم   ذا   يُكابِدُ   عاشِقٌ   وَيُلاقي
في   حُبِّ   مِصرَ   كَثيرَةِ  العُشّاقِ
وليس من المصادفة أن تكون هذه الرائعة في مصر "أم الدنيا" وتتحدث عن دور الأم في التربية 
وليس من المصادفة أيضاً أننا تعلمنا ولانزال وسوف نظل نتعلم من أُدباء وشعراء مصر ومثقفيها ومفكريها وحتى من فنانيها..
قصيدة حافظ إبراهيم لا تتكلم فقط عن الأم وإنكان أشهر بيوتها 
الأم مدرسة إذا اعددتها 
أعدت شعباً طيّب الأعراقِ 
وهو هنا يلفت الإنتباه إلى أهمية دور الأم، مستعرضاً رأيه في المرأة بصفة عامة، مربَّيةٌ ومربِّية 
وهذه بعض أبيات تلك الرائعة:
مَن لي بِتَربِيَةِ  النِساءِ  فَإِنَّها
في الشَرقِ  عِلَّةُ  ذَلِكَ الإِخفاقِ
الأُمُّ  مَدرَسَةٌ  إِذا  أَعدَدتَها
أَعدَدتَ  شَعباً طَيِّبَ  الأَعراقِ
الأُمُّ  رَوضٌ  إِن  تَعَهَّدَهُ   الحَيا
بِالرِيِّ أَورَقَ  أَيَّما  إيراقِ
الأُمُّ  أُستاذُ  الأَساتِذَةِ  الأُلى
شَغَلَت  مَآثِرُهُم  مَدى الآفاقِ
أَنا لا أَقولُ دَعوا النِساءَ سَوافِراً
بَينَ الرِجالِ  يَجُلنَ  في الأَسواقِ
يَدرُجنَ حَيثُ أَرَدنَ لا مِن وازِعٍ
يَحذَرنَ رِقبَتَهُ وَلا  مِن واقي
يَفعَلنَ أَفعالَ الرِجالِ  لِواهِياً
عَن واجِباتِ نَواعِسِ الأَحداقِ
في دورِهِنَّ  شُؤونُهُنَّ  كَثيرَةٌ
كَشُؤونِ  رَبِّ السَيفِ وَالمِزراقِ
كَلّا وَلا أَدعوكُمُ  أَن تُسرِفوا
في الحَجبِ وَالتَضييقِ  وَالإِرهاقِ
لَيسَت  نِساؤُكُمُ حُلىً  وَجَواهِراً
خَوفَ الضَياعِ  تُصانُ في الأَحقاقِ
لَيسَت  نِساؤُكُمُ  أَثاثاً  يُقتَنى
في الدورِ  بَينَ  مَخادِعٍ  وَطِباقِ
تَتَشَكَّلُ الأَزمانُ  في أَدوارِها
دُوَلاً وَهُنَّ  عَلى الجُمودِ  بَواقي
فَتَوَسَّطوا في الحالَتَينِ  وَأَنصِفوا
فَالشَرُّ  في التَقييدِ  وَالإِطلاقِ
رَبّوا  البَناتِ  عَلى الفَضيلَةِ  إِنَّها
في المَوقِفَينِ  لَهُنَّ  خَيرُ  وَثاقِ
وَعَلَيكُمُ  أَن تَستَبينَ  بَناتُكُم
نورَ   الهُدى  وَعَلى الحَياءِ الباقي.

ويبقى السؤال قائماً 
هل الأب والأم فقط من يؤثرون في النشء؟
وإلى أي مدى يستمر هذا التأثير؟
ماهو دور المدرسة؟
الأصدقاء والمجتمع؟
وفي عصرنا الحاضر ما دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي؟

أنا وأنت وغيرنا الكثير من البشر ندين لوالدينا ومعلمينا وللحياة بعد الله بالكثير من العادات والتقاليد التي نمارسها في حياتنا وسوف تظل معنا إلى أن نفارق الحياة، خاصّة تلك العادات والتقاليد التي نفخر بها. 
 غير أن مايجب أن نعيره انتباهنا ونسلّط عليه وعينا هو أن التربية والتعليم لاتقف عند عمر محدد ولا مرحلة عمرية، ولا يليق بنا أن نعلق على شمّاعة التربية اخفاقاتنا وسلوكياتنا، ولا يحق لنا تصنيف الناس على أساس ماتربّوا عليه في صغرهم!
 فأنا وأنت لسنا نسخ من أهلنا، ولا ينبغي أن ننظر لأبنائنا على أنهم نسخ منا.
صحيح أن من أفضل وسائل التربية ، التربية بالقدوة، ولكن هذا لا يعني فرض عاداتنا وتقاليدنا على أبنائنا وبناتنا بالقوة لأن هذا سوف ينتج لنا جيل ليس ممسوخ الشخصية فحسب بل جيل منافق بامتياز، ولكي نحسن تعليمهم يجب علينا أن نتعلّم كيف نعلّمهم، فنحن في كل يوم بل وفي كل لحظة نتعلم أمراً جديداً، ومالم نتعلم فسوف نتألم، ولنا في أحداث الحياة وفجائع الزمن العبرة لمن اعتبر، فكم من عقوق وتمرد وعنف وتنمر وغيرها مما يندى لها الجبين أغلب أسبابها ليس عقوق البنات والأبناء بل جهل الأمهات والأباء.
يقول أحد المفكرين:
لكي ننجح ، يجب أن ننمو.
لكي ننمو ، يجب أن نتغير.
لكي نتغير ، يجب أن نتعلم.
ولكي نتعلم، يجب أن نكون فضوليين.
 لذا ابق فضولياً، استمر في التعلم تكن ناجحًا.
ومن نافلة القول أن حياتنا ليست محكومة فقط بما تعلمنا أو تربينا عليه، ومن الحماقة أن نعلّق أخطاؤنا على طفولتنا ومافيها، بل من الإعتراف بالفضل لأولي الفضل ممن علّمونا وربّونا أن نلتمس لهم العذر إن اخطؤا فهم قدّمونا للحياة بما يستطيعون وزودونا من المهارات والمعارف بما يحسنون، وعلينا أن نشكرهم ماحيينا ونكمل مسيرة حياتنا راضين بما مضى مستمتعين بما نرى متفائلين بكل آت، ويجب أن نكون منفتحين ومطّلعين على كل الآراء والتوجهات واضعين نصب أعيننا أننا شركاء في التربية والتعليم فنحن نتعلم ممن نعلمهم ولا ينبغي أن يُوقفنا عن التعلّم إلا الموت. 
وإذا أمعنت النظر ليس في التعليم فقط بل في كل جوانب الحياة لوجدت الثابت الوحيد هو التغيير! ومن لم يتغير فمصيره يُغيّر.

إن الحياة لا تسمح لك بالعودة وتغيير الأشياء! كل ما يمكنك فعله هو التعلم من الماضي والاستعداد لما قد يجلبه المستقبل.
واعلم أن كل شيء في الحياة يمكن أن يعلّمك درساً ، فقط عليك أن تكون على استعداد للتعلم، ولا تندم على يومٍ في حياتك ؛ فالأيام الجيدة تعطي السعادة، والأيام السيئة تعطي التجارب، وأسوأ الأيام تعطي الدروس، وأفضل الأيام تعطي الذكريات.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
‏تعلم  فليسَ  المرءُ يولدُ عالماً 
وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وإنَّ  كَبِير الْقَوْمِ  لاَ علْمَ  عِنْدَهُ 
صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ
وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِماً 
كَبيرٌ  إذَا  رُدَّتْ   إليهِ   المحَافِلُ.
وقال أيضا :
وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً
تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ

بقلم  ملهي شراحيلي 
MelhiSharahili@


مشاركة المقالة