الثقافة؛ سلطة العقل لا سلطة الشهادة
جبران بن عمر
تُعدُّ الثقافة أحد أهم المؤشرات الدالة على رقي الإنسان الفكري والحضاري، غير أن ثمة خلطًا شائعًا بين مفهوم الثقافة ومفهوم التحصيل الأكاديمي، حتى أصبح بعض الناس يربط الثقافة ارتباطًا مباشرًا بالشهادات الجامعية والألقاب العلمية؛ والحقيقة أن هذا التصور يفتقر إلى الدقة العلمية؛ إذ إن الشهادة الأكاديمية تمثل إثباتًا للتخصص في مجال معرفي محدد، بينما تمثل الثقافة منظومة أوسع وأشمل تتعلق بوعي الإنسان، وسعة إدراكه، وقدرته على فهم الواقع وتحليله والتفاعل معه بصورة عقلانية ومتزنة.
فالجامعات تُخرّج متخصصين، أما الثقافة فتُنتج عقولًا قادرة على التفكير النقدي والاستيعاب والتحليل، وقد يحمل الفرد أعلى المؤهلات العلمية، لكنه يفتقر إلى المرونة الفكرية أو القدرة على الحوار أو فهم القضايا الإنسانية والاجتماعية المحيطة به، وفي المقابل قد نجد أفرادًا لم يحصلوا على تعليم جامعي متقدم، إلا أنهم يمتلكون رصيدًا معرفيًا وثقافيًا واسعًا مكّنهم من بناء رؤية ناضجة للحياة والإنسان والمجتمع.
ومن منظور معرفي، فإن الثقافة ليست تراكمًا للمعلومات فحسب، بل هي القدرة على توظيف المعرفة في فهم الواقع وتحليل الظواهر وإدراك العلاقات بين الأسباب والنتائج، وهي ملكة عقلية تتجلى في التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين الحقائق والدعاوى، وبين البرهان والادعاء، وبين العلم والجهل المقنّع بمظاهر العلم.
ولذلك فإن المجتمعات المتقدمة لا تقيس قيمة الإنسان بعدد الشهادات التي يحملها فحسب، بل بمقدار ما يمتلكه من وعي ومسؤولية فكرية وقدرة على الإسهام في البناء الحضاري. فالعقل المثقف يتميز بالموضوعية، واحترام الاختلاف، والبحث عن الحقيقة، والقدرة على مراجعة القناعات عند ظهور الأدلة الأقوى، وهي صفات لا تمنحها الشهادات تلقائيًا، وإنما تُكتسب عبر مسيرة طويلة من التعلم الذاتي والتأمل والنقد والممارسة.
إن التاريخ الإنساني زاخر بنماذج لرجال ونساء تركوا أثرًا فكريًا وحضاريًا عظيمًا رغم محدودية تعليمهم النظامي، كما أنه حافل بأصحاب شهادات رفيعة لم يتجاوز تأثيرهم حدود تخصصاتهم الضيقة، وهذا يؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بما يُكتب في السيرة الذاتية، وإنما بما يحمله العقل من وعي، وما ينعكس على السلوك من حكمة واتزان.
وخلاصة القول، فإن الشهادات الجامعية تمثل وسيلة مهمة لاكتساب المعرفة المتخصصة، لكنها ليست المعيار الوحيد للثقافة؛ فالثقافة في جوهرها بناءٌ عقلي وفكري يتشكل بالقراءة والتجربة والتفكير والنقاش والبحث المستمر عن المعرفة، ومن هنا يمكن القول إن الثقافة الحقيقية هي ثقافة العقل والوعي، لا ثقافة الأوراق والألقاب، وأن قيمة الإنسان الفكرية تُقاس بما يفهمه ويعيه، لا بما يحمله من شهادات فحسب.
مقولة ختامية أكاديمية قوية:
“الشهادة قد تُثبت ما درسته، أما الثقافة فتُثبت كيف تفكر، وبينهما فرقٌ يصنعه العقل لا الجامعة.”