حين تشابهت الوجوه والكلمات
بقلم/ أكرم الشريف
مدير العمليات بمجموعة الحدث - ماجستير إعلام رقمي
أخاف من اليوم الذي يختفي فيه الخطأ تمامًا! ذلك اليوم الذي تصبح فيه الصور أجمل من أصحابها، والكلمات أبلغ من كتّابها، والأصوات أنقى من مشاعرها، والوجوه متشابهة إلى درجة أن الذاكرة تعجز عن التفريق بينها. في البداية ظن البشر أنهم يطاردون الجمال، ثم اكتشفوا متأخرين أنهم كانوا يطاردون التشابه. عمليات التجميل لم تُنتج وجوهًا أجمل بقدر ما أنتجت وجوهًا متشابهة! والذكاء الاصطناعي لم يُنتج نصوصًا أعمق بقدر ما أنتج نصوصًا أكثر كمالًا، وهنا تكمن المأساة؛ فالإنسان لم يقع في حب الكمال يومًا، الإنسان وقع في حب الأثر! في حب الندبة التي تحكي قصة، في حب التجاعيد التي تحمل عمرًا، في حب الجملة المرتبكة التي خرجت من قلب صادق، في حب الخطأ الصغير الذي يثبت أن خلف العمل إنسانًا حقيقيًا.
لكن العالم يتغير وبسرعة مخيفة، اليوم تستطيع آلة أن تكتب مقالًا في ثوانٍ، وتصمم صورة في لحظات، وتنتج إعلانًا كاملًا قبل أن ينتهي صاحب الفكرة من شرب قهوته، وأصبح بإمكان أي شخص أن يبدو كاتبًا، وأن يبدو مفكرًا، وأن يبدو إعلاميًا، وأن يبدو خبيرًا. لكن بين أن تبدو شيئًا وأن تكونه مسافة لا تستطيع الآلات اختصارها. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي ولا في التقنية ولا في أدوات التجميل، المشكلة في أننا بدأنا نستبدل الأصالة بالإتقان وكأنهما الشيء نفسه، بينما الحقيقة أن أكثر ما نحبه في الحياة لم يكن كاملًا أبدًا.
أمهاتنا لم يكنّ كاملات، أصدقاؤنا ليسوا كاملين، قصائدنا المفضلة ليست كاملة، والذكريات التي نحملها معنا حتى آخر العمر مليئة بالنواقص والثغرات والأخطاء، لكنها حقيقية وهذا ما يمنحها الحياة. أخشى أن نصل إلى زمن يصبح فيه كل شيء متقنًا؛ الصور متقنة، النصوص متقنة، الخطب متقنة، التصاريح الإعلامية متقنة، المقالات متقنة، الوجوه متقنة، لكن الروح غائبة.
سنعيش وسط وفرة غير مسبوقة من المحتوى، وقحط غير مسبوق من المعنى. سيصبح الجميع قادرين على الكتابة، لكن القليل فقط سيكون لديهم ما يستحق أن يُقال. وسيصبح الجميع قادرين على إنتاج الصورة، لكن القليل فقط سيكون لديهم ما يستحق أن يُرى. وسيصبح الجميع قادرين على تقليد الذكاء، لكن الندرة الحقيقية ستكون في الحكمة. في ذلك الزمن لن تكون الميزة في إتقان الأدوات لأن الجميع سيتقنها، ولن تكون الميزة في الوصول إلى المعرفة لأنها ستكون متاحة للجميع. الندرة الجديدة ستكون في الأصالة؛ في الفكرة التي لم تُنسخ، في الصوت الذي لم يتشابه، في الإنسان الذي ما زال يشبه نفسه؛ لأنه قد يأتي يوم يصبح فيه الإنسان نسخة محسنة من الجميع، ويفقد في الطريق الشيء الوحيد الذي كان يجعله مختلفًا.