(ما انتهت صلاحيته)
بقلم ــ عبهر نادي
ليست كل الأثقال التي نحملها تُرى، فبعض ما يرهقالإنسان لا يحمله على كتفيه، بل في أعماق تفكيره حينما يتسلل بصمت ليستقر في الزوايا الخفية للعقل، حتى نألف وجوده، ونحسبه جزءًا من حقيقتنا، بينما هو في الواقع مجرد بقايا كان ينبغي أن ترحل منذ زمن .
فعقولنا لا تحتاج دائمًا إلى أن نضيف إليها المزيد، بل تحتاج أحيانًا إلى أن تتخفف مما انتهت صلاحيته، والقيمة الحقيقية ليست في كثرة ما نحمله من أفكار، وإنما في جودة ما نُبقيه منها.
لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا: متى كانت آخر مرة رتبت فيها أفكاري؟ متى راجعت معتقدًا ورثته دون تمحيص؟ ومتى تخلّيت عن فكرة استهلكت من عمري أكثر مما أفادتني؟فليست كل فكرة تستحق البقاء، تمامًا كما ليست كل ذكرى تستحق الاستدعاء، ولا كل تجربة تستحق أن تتحول إلى قانون نحاكم به المستقبل .وانتهاء صلاحية الفكرة لا يعني أنها كانت خاطئة.
فقد تكون منحتنا الأمان في مرحلة، أو ساعدتنا على فهم الحياة بقدر ما كنا نملك من خبرة آنذاك .
لكن الإنسان ينمو، وتتسع معارفه، وتتغير تجاربه، وما كان صالحًا بالأمس قد لا يكون الأنسب اليوم .
وهكذا تتحول بعض أفكارنا، مع مرور الزمن، إلى نفايات عقلية؛ لا لأنها وُلدت خاطئة، بل لأننا أبقيناها بعد أن انتهى دورها .
فالطفل يحتاج إلى أن يمسك بيد والده حتى يتعلم المشي، لكن استمرار الإمساك باليد بعد أن يشتد عوده لن يكون حماية، بل عائقًا [2]. وكذلك بعض الأفكار؛ جاءت لتخدم مرحلة من أعمارنا، لا لتصبح قانونًا نحاكم به أعمارنا كلها .
ويؤكد علم النفس المعرفي أن الدماغ يقوي الأفكار التي يكررها حتى تصبح عادات ذهنية تؤثر في رؤيتنا للحياة.
لذلك، ليست المشكلة في الفكرة نفسها، بل في بقائها بعد أن تنتهي الحاجة إليها .
والنضج الحقيقي لا يعني أن نعرف أكثر فحسب، بل أن نراجع أكثر.. أن نختبر أفكارنا، ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ونمتلك الشجاعة لتغيير ما لم يعد يضيف إلى حياتنا وعيًا أو سلامًا
فالحكمة ليست في الوفاء لكل ما نحمله من أفكار، وإنما في الوفاء للحقيقة كلما اتسعت أمامنا .
لن نبقى أسرى لكل ما تعلمناه، بل الوفاء الحقيقي أن نشكر كل فكرة قادتنا إلى مرحلة من حياتنا، ثم نتركها تمضي حين ينتهي دورها .
ولنعلم أن بعض الأعباء لا تزول بالراحة، بل تزول حين نتصالح مع حقيقة أن التغيير علامة نضج لا تناقض، وأن بعض ما نحمله لم يكن سيئًا… لكنه ببساطة انتهت صلاحيته .