|

حين يبهت الانتماء

الكاتب : الحدث 2026-06-21 01:58:58

بقلم: حسن المباركي


ليست كل أسباب البقاء ظاهرة للعيان؛ فكثير مما يمنح الأشياء قوتها واستمرارها يكمن في أعماقها.
فكما تستمد الأشجار قوتها من جذور خفية في باطن الأرض، تستمد المؤسسات تماسكها واستمرارها من قيم راسخة تسكن نفوس العاملين فيها .
ومن بين تلك القيم يبرز الانتماء بوصفه روحًا تمنح العمل معناه، وتحول الجهد إلى رسالة، والوظيفة إلى مسؤولية، والنجاح إلى هدف مشترك .
وحين يبهت هذا الشعور، لا يحدث التغيير فجأة، بل يبدأ بصمت في الأعماق قبل أن تظهر آثاره على السطح.
ولعل في هذه الصورة ما يجسد جانبًا من تلك الحقيقة الخفية .

في أطراف بستان قديم، كانت شجرة شامخة تفرض حضورها على المكان بامتداد ظلالها وكثرة ثمارها، وكان المارة يقفون أمامها إعجابًا بعلوها وتناسق أغصانها، ويتحدثون عن جمال أوراقها ووفرة عطائها، بينما بقيت الجذور في عمق الأرض تؤدي دورها بصمت واستمرار، لا يلتفت إليها أحد، رغم أنها سر ذلك البقاء . ومع مرور الزمن، بدأ شيء غير مرئي يتغير في داخلها، لم يتوقف شكلها فجأة، ولم تتساقط أوراقها دفعة واحدة، لكن الحيوية التي كانت تملؤها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا، حتى ظهرت آثار ذلك على أغصانها وثمارها .
وحين حاول الناس فهم ما يحدث، انشغلوا بالظاهر، بينما كانت الحقيقة كامنة في العمق؛ في الجذور التي لم تعد كما كانت.

وتستحضر هذه الصورة واقع كثير من المؤسسات، التي قد تبدو مستقرة في ظاهرها، بينما تتغير في داخلها بعض القيم التي تمنحها الحياة والاستمرار .
ويأتي الانتماء الوظيفي في مقدمة تلك الركائز التي تمنح العمل معناه الحقيقي، وتحول الجهد من أداء روتيني إلى مشاركة واعية في صناعة الإنجاز ،
ويمثل الانتماء الوظيفي أحد أهم الركائز التي تستند إليها المؤسسات في تحقيق الاستقرار والتميز والاستدامة، إذ يسهم في رفع مستوى الالتزام، وتعزيز المبادرة، وتحمل المسؤولية، والحفاظ على مكتسبات العمل، ومن خلاله يتحول الموظف من منفذ للمهام إلى شريك في الأثر .

لكن هذا الانتماء لا يظهر دائمًا بالصورة نفسها، بل قد تضعف ملامحه في بعض بيئات العمل، وتبدأ المؤشرات بالظهور تدريجيًا، فتتراجع المبادرة، ويغيب الحماس، ويقتصر الأداء على الحد الأدنى من المطلوب، وتضعف روح التعاون، ويحل محل الشغف شعور بالجمود أو التكرار .
ولعل أخطر ما في تراجع الانتماء الوظيفي أنه لا يظهر غالبًا في صورة أزمة مفاجئة، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل العمل اليومية، فيقل الاهتمام بالجودة، وتتراجع الرغبة في التطوير، ويضعف الشعور بالمسؤولية الجماعية . ومع استمرار هذه الحالة تتأثر بيئة العمل تدريجيًا، حتى وإن ظلت المؤشرات الشكلية توحي بالاستقرار والانتظام .

وتعود هذه التحولات إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها غياب العدالة في التعامل، وضعف التقدير المعنوي، وتهميش الأفكار والمقترحات، إضافة إلى محدودية فرص التطوير والنمو المهني، وغموض بعض الأهداف، وضعف التواصل داخل بيئة العمل وينشأ الانتماء الوظيفي حين يشعر الموظف بأن له قيمة حقيقية في مؤسسته، وأن جهوده محل تقدير، وصوته مسموع، ودوره مؤثر في صناعة النجاح. وعندئذ تتجاوز علاقته بالمكان حدود الوظيفة، لتغدو شراكة قائمة على الثقة والمسؤولية، والحرص على تحقيق الأهداف المشتركة .
ويؤثر التركيز المفرط على الأخطاء مقابل إغفال الإنجازات سلبًا في روح الانتماء، وفي المقابل فإن ترسيخ الانتماء الوظيفي يحتاج إلى وعي إداري عميق يدرك أن الإنسان هو محور النجاح .

كما أن إشراك العاملين في صناعة القرار، وفتح مساحات الحوار، والاحتفاء بالإنجازات، وتوفير فرص التطوير، عوامل تعزز هذا الشعور وتدعمه .ويخطئ من ينظر إلى الاستثمار في بيئة العمل بوصفه تكلفة إضافية، بينما هو في حقيقته استثمار مباشر في جودة الأداء واستدامة النجاح.
فالمؤسسات التي تنجح في بناء الانتماء الوظيفي تكسب طاقات أفرادها قبل جهودهم، وتؤسس لاستقرار راسخ، ونمو مستدام، وقدرة أكبر على تجاوز التحديات وتحقيق التميز .
وفي نهاية المطاف، تبقى المنظومات كيانات معنوية تنبض بما يبث فيها من قيم، وتتشكل صورتها الحقيقية من عمق الانتماء الذي يسكن أفرادها .

فحين يرسخ الانتماء في النفوس، يتحول العمل إلى معنى يتجاوز حدود الأداء اليومي، ويصبح الإنجاز ثمرة طبيعية لشعور واع بالمسؤولية، يسهم فيه الإنسان بعقله ووجدانه وجهده، فيصنع أثرًا يبقى ويتجدد.
إن بناء الانتماء الوظيفي ليس مهمة عابرة، ولا برنامجًا مؤقتًا، بل ثقافة مؤسسية تبنى بالتراكم وتترسخ بالممارسة، وكلما نجحت المؤسسات في تعزيز الثقة والعدالة والتقدير، ازدادت قوة جذورها وامتد أثرها .
وحيثما وجد الانتماء الصادق، حضر الإبداع، وتعاظمت المسؤولية، وترسخ النجاح؛ فالمؤسسات تبنى بالأنظمة، لكنها تزدهر بالمنتمين إليها .