السياسة والدبلوماسيّة السعودية بين التحديات الأمنية ومقتضيات التنمية
أ.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وأستاذ جامعي
تُعدّ السياسة السعودية في المرحلة الراهنة نموذجًا مركّبًا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين التحديات الأمنية المتصاعدة في الإقليم ومتطلبات التحول التنموي الطموح. ويمكن فهم هذه المعادلة من خلال تحليل طبيعة التحديات، وأدوات التعامل معها، وانعكاساتها على مسار التنمية.
فعلى صعيد التحديات الأمنية، تواجه المملكة بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار، يتجلى ذلك في استمرار التوترات في المنطقة ، وتصاعد التنافس الإقليمي في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب مخاطر الإرهاب العابر للحدود. كما تبرز تحديات أخرى مرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية، فضلًا عن التحولات في النظام الدولي، خصوصًا في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى، وهو ما تتابعه المملكة عن كثب وتتعامل معه بسياسات تتسم بالحذر والمرونة.
ولا تقتصر هذه التحديات على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل أبعادًا أخرى مثل الأمن الاقتصادي، بما في ذلك حماية الاستثمارات وسلاسل الإمداد، إضافة إلى الأمن السيبراني في ظل التوسع المتسارع في التحول الرقمي. في المقابل، تتبنى المملكة مشروعًا تنمويًا طموحًا في إطار رؤية 2030، يهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات واعدة مثل السياحة والترفيه والتقنية والطاقة المتجددة. ويتطلب هذا المسار بيئة مستقرة وآمنة، ما يجعل الأمن ركيزة أساسية لتحقيق التنمية، وليس مجرد مجال منفصل عنها.
وفي سبيل إدارة هذه المعادلة المعقدة، تنتهج المملكة عددًا من المسارات المتوازية، من أبرزها: تعزيز القدرات الدفاعية لاحتواء المخاطر دون الانخراط في صراعات مفتوحة، وتنويع الشراكات الدولية بما يمنحها مرونة أكبر في الحركة السياسية والاقتصادية، إضافة إلى دعم الدبلوماسية الإقليمية وخفض مستويات التصعيد، ودمج البعد الأمني في المشاريع التنموية الكبرى.
ختامًا، يمكن القول إن السياسة السعودية تتحرك بحكمة وبصيرة وحزم ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله في التعامل مع الأحداث المختلفة الجوانب ضمن إطار استراتيجي يسعى إلى تحقيق تكامل بين الأمن والتنمية، بما يضمن استدامة الاستقرار ويدعم بناء مستقبل اقتصادي أكثر تنوعًا وازدهارًا.