|

الغلا الذي ينتصر على الزعل

الكاتب : الحدث 2026-06-07 12:30:02

بقلم - عبدالله آل شعشاع 

في زمن أصبحت فيه العلاقات تُهدم بسبب رسالة، وتُقطع بسبب سوء فهم، وتضيع فيه سنوات من المحبة بسبب موقف عابر، تبرز حكمة الأمير خالد الفيصل كنبراسٍ يضيء طريق العقلاء حين قال:

“إذا وقف خاطرك بين الغلا والزعل
سلّم سلام الزعول اللي بصدره غلا”

بيت شعري بسيط في ألفاظه، عظيم في معناه، يلخّص فلسفة إنسانية راقية عنوانها أن المحبة الحقيقية أكبر من الخلاف، وأن القلوب التي تحمل الغلا الصادق لا تستحق أن تُعاقب بسبب لحظة غضب أو كلمة قيلت في وقت انفعال.

إن العلاقات الإنسانية بطبيعتها ليست مثالية، فلا يوجد صديق لم يخطئ، ولا قريب لم يزل، ولا أخ لم يقصّر، ولا رفيق درب لم تختلف معه يوماً. لكن الفرق الحقيقي بين العلاقات التي تستمر وتلك التي تنتهي يكمن في طريقة التعامل مع الخلافات، لا في وجودها.

كثير من الناس يعتقد أن الكرامة تعني القطيعة، وأن العزة تعني الابتعاد، وأن الرد على الخطأ يجب أن يكون بخطأ أكبر منه، لكن أصحاب الحكمة يعلمون أن الكرامة الحقيقية هي القدرة على ضبط النفس، وأن العزة الحقيقية هي عدم السماح للخلافات العابرة بأن تهدم جسوراً بُنيت عبر سنوات طويلة من المواقف الجميلة.

ولعل أكثر ما يؤلم في بعض العلاقات أن أشخاصاً كانوا يوماً أقرب من الإخوة، يتبادلون الود والاحترام والمواقف النبيلة، ثم يأتي موقف صغير أو كلام منقول أو سوء فهم عابر ليزرع بينهم مسافات لم تكن موجودة من قبل. ومع مرور الوقت يتحول الخلاف البسيط إلى قطيعة، ثم تتحول القطيعة إلى جفاء، وكل ذلك كان يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة أو اتصال صادق أو مبادرة تحمل شيئاً من التسامح.

إن الغلا الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات، بل بقدرة الإنسان على حفظ مكانة الآخرين في قلبه حتى عندما يختلف معهم. فالنفوس الكبيرة لا تنسى المعروف عند أول عثرة، ولا تمحو صفحات الوفاء بسبب صفحة واحدة لم تعجبها.

ومن أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان النبيل أنه يقدّم حسن الظن على سوء الظن، ويبحث عن الأعذار قبل إصدار الأحكام، ويدرك أن البشر ليسوا ملائكة، وأن الخطأ جزء من طبيعة الإنسان. لذلك نجده حريصاً على إصلاح العلاقات أكثر من حرصه على كسب المعارك الكلامية.

لقد علّمتنا الحياة أن كثيراً من الخلافات التي كانت تبدو كبيرة في لحظتها أصبحت بعد سنوات مجرد ذكريات لا تستحق كل ذلك العناد. بينما بقيت الحسرة في قلوب البعض لأنهم خسروا أشخاصاً كانوا يشكلون جزءاً جميلاً من حياتهم بسبب مواقف كان بالإمكان تجاوزها.

وليس المقصود هنا أن يتنازل الإنسان عن حقوقه أو يقبل الإهانة، بل المقصود أن يزن الأمور بميزان الحكمة، وأن يفرّق بين خطأ يستحق العتاب، وخلاف يستحق القطيعة. فليس كل زلة تستوجب الهجر، وليس كل اختلاف يستوجب إنهاء العلاقة.

إن أجمل الناس ليس من لا يغضب، بل من يعرف كيف يحتوي غضبه. وأقوى الناس ليس من ينتصر في كل خلاف، بل من ينتصر على نفسه عندما تدعوه إلى التصعيد. وأغنى الناس ليس من يملك المال، بل من يملك قلوباً صادقة حوله ويحافظ عليها.

وحين يقف الإنسان بين خيارين؛ أن ينتصر لزعله أو ينتصر لغلاه، فإن العقل والحكمة يدعوانه إلى أن يتذكر الأيام الجميلة والمواقف النبيلة والعشرة الطيبة، وأن يمنح المحبة فرصة أكبر من مساحة الخلاف.

فالعلاقات الصادقة أصبحت اليوم من أثمن ما يملكه الإنسان، ومن الحكمة ألا نفرّط بها بسبب كلمات عابرة أو مواقف مؤقتة. فالعمر يمضي، والأيام تتغير، ويبقى في الذاكرة أولئك الذين حفظوا الود، وأبقوا أبواب المحبة مفتوحة مهما اشتدت الظروف.

وفي النهاية، تبقى رسالة الأمير خالد الفيصل درساً إنسانياً خالداً لكل من يحمل في قلبه محبة صادقة: إذا احتار قلبك بين الغلا والزعل، فاختر الغلا، لأن الزعل مهما طال عمره مؤقت، أما المحبة الصادقة فهي الباقية في القلوب.