الجهل بالنظام.. فاتورة لا يراها الناس إلا بعد دفعها
بقلم: أ. فاطمة البشري
ثمة فواتير يدفعها الإنسان وهو يعلم قيمتها مسبقًا، وأخرى لا يكتشف حجمها إلا بعد فوات الأوان. ومن أثقل تلك الفواتير وأشدها أثرًا فاتورة الجهل بالأنظمة.
ففي عالم تتسارع فيه التشريعات وتتداخل فيه الحقوق والواجبات مع تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الجهل بالأنظمة مجرد نقص في المعرفة، بل أصبح مخاطرة حقيقية قد تكلّف الإنسان ماله أو وقته أو حقًا من حقوقه التي كان يظن أنها محفوظة.
كم من شخص وقّع عقدًا دون أن يقرأ تفاصيله، ثم وجد نفسه ملزمًا بما لم يكن يتوقعه؟ وكم من موظف خسر حقًا وظيفيًا لأنه لم يطّلع على ما تكفله له الأنظمة؟ وكم من مستهلك تنازل عن حقه، أو تأخر في المطالبة به، لأنه لم يعرف الطريق النظامي الصحيح للوصول إليه؟
ومع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور تشريعي وتنظيمي متسارع يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، أصبحت الأنظمة جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، تحكم التعاملات الوظيفية والتجارية والرقمية والعقارية وغيرها. ولم تعد المعرفة بها حكرًا على المختصين، بل أصبحت ضرورة لكل فرد يسعى إلى حماية مصالحه واتخاذ قراراته بوعي ومسؤولية.
اللافت أن كثيرًا من النزاعات التي تمتلئ بها الجهات المختصة والمحاكم ولجان الفصل لا يكون سببها التعمد أو سوء النية، بل ضعف المعرفة. فكم من خلاف كان يمكن تجنبه بسؤال واحد؟ وكم من مشكلة كان يمكن احتواؤها بقراءة بند واحد؟ وكم من خسارة كان بالإمكان تفاديها لو سبق القرار شيء من الوعي والفهم؟
إن المعرفة النظامية لا تعني البحث في النصوص المعقدة أو حفظ اللوائح والمواد، بل تعني إدراك الحد الأدنى مما يتعلق بحقوق الإنسان وواجباته في محيطه العملي والاجتماعي والاقتصادي. وهي ثقافة وقائية قبل أن تكون معرفة قانونية، تحمي الفرد قبل وقوع المشكلة وتساعده على التعامل معها إذا وقعت.
كما أن الوعي بالأنظمة لا يقتصر على معرفة ما لنا من حقوق، بل يشمل كذلك ما علينا من التزامات ومسؤوليات. فالمجتمع الواعي هو المجتمع الذي يدرك أن احترام النظام ليس خوفًا من العقوبة، بل إيمانًا بأن الأنظمة وُجدت لحماية الجميع وتحقيق العدالة وحفظ الحقوق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر الثقافة النظامية بأسلوب مبسط وقريب من الناس، يبدأ من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وصولًا إلى مختلف مؤسسات المجتمع. فكلما ارتفع مستوى الوعي، انخفضت النزاعات، وتعززت الثقة، وازدادت قدرة الأفراد على حماية أنفسهم ومصالحهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: كم حقًا ضاع بسبب معلومة لم تُعرف؟ وكم فرصةً فُقدت بسبب إجراء لم يُفهم؟ وكم مشكلةً كان يمكن تجنبها لو أدركنا أن الوعي بالأنظمة ليس ترفًا معرفيًا، بل أحد أهم أدوات حماية الإنسان في حياته ومستقبله؟
فالجهل بالنظام لا يُصدر إنذارًا مسبقًا، ولا يكشف تكلفته منذ البداية، لكنه يترك فاتورته دائمًا.