شراكة سعودية روسية في أفق الاستدامة البيئية.
د . طلال الحربي
في مشهدٍ يعكس عمق التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية على صعيد الانخراط الدولي في القضايا البيئية الكبرى، وقّعت وزارة البيئة والمياه والزراعة مذكرةَ تفاهمٍ رفيعة المستوى مع وزارة الموارد الطبيعية والبيئة في روسيا الاتحادية، في خطوةٍ تُجسّد بجلاءٍ ما باتت عليه المملكة من حضورٍ دوليٍّ راسخ في ملفات الحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي وصون الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
تحمل هذه الشراكة في طياتها دلالاتٍ تتجاوز البُعد البروتوكولي المعتاد لمثل هذه الاتفاقيات، إذ تُعبّر عن رؤيةٍ استراتيجيةٍ متكاملة تنهض عليها المنظومة الوزارية برمّتها، تلك المنظومة التي تتحرك وفق توجيهات وزير البيئة والمياه والزراعة الهادفة إلى ترسيخ مكانة المملكة شريكًا فاعلًا في الجهود البيئية العالمية، ومحاورًا موثوقًا في صياغة مستقبل كوكبنا المشترك. وقد أعطى توقيع معالي نائب الوزير المهندس منصور بن هلال المشيطي على هذه المذكرة خلال زيارةٍ رسميةٍ لموسكو على رأس وفدٍ سعوديٍّ رفيع المستوى، أعطى ذلك كلّه الاتفاقيةَ ثقلًا مؤسسيًّا وسياسيًّا لا يخطئه المراقب، فيما جسّد توقيع وزير الموارد الطبيعية الروسي ألكساندر كوزلوف عن الجانب الآخر، إرادة مشتركةً حقيقية في بناء علاقة تعاونٍ قابلة للاستدامة والتطوير.
وإذا كان المتأمل في هذه المذكرة سيجد فيها سجلًّا وافيًا من المجالات التعاونية المتشعبة والمترابطة، فإنّ ما يستأثر بالاهتمام حقًّا هو عمق التقاطع السعودي والروسي في هذه الملفات. فالمذكرة تتناول تنمية الغطاء النباتي ومكافحة تدهور الأراضي والإدارة المستدامة للغابات، وكلها قضايا تحتلّ أولويةً بالغة في مسيرة رؤية 2030 التي جعلت من الاستدامة البيئية ركيزةً أصيلة في مشروع التحوّل الوطني الشامل. كما تمتدّ آفاق الشراكة لتطال منظومة المناطق المحمية وتطوير حوكمتها وأنظمة إدارتها، في وقتٍ يشهد فيه برنامج المناطق المحمية السعودي توسعًا غير مسبوقٍ في مساحاته ومضامينه.
غير أنّ اللافت حقًّا في هذه الاتفاقية هو ذلك الاهتمام الصريح بصون الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، وإعادة تأهيلها، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالحيوانات والنباتات المعرّضة للخطر، وهو ملفٌّ تعكف وزارة البيئة والمياه والزراعة على إيلائه اهتمامًا استثنائيًّا ضمن منظومة مبادراتها المتواصلة. ويُضاف إلى ذلك بُعدٌ بيئيٌّ رقيقٌ وعميق في آنٍ معا، يتمثّل في حماية مسارات الطيور المهاجرة ومناطق توقفها عبر البلدين، وهو ما يُلمح إلى أنّ هذه الشراكة تنظر إلى البيئة كمنظومةٍ حيّةٍ متكاملة تتجاوز الحدود الجغرافية، وتستدعي استجابةً مؤسسيةً مشتركةً بالمستوى ذاته.
ولعلّ من أبرز ما يمنح هذه المذكرة قيمتها التنفيذية الحقيقية أنّها لا تكتفي بالتوافق على المبادئ، بل تضع آليات واضحة لتحويل النوايا إلى واقعٍ ملموس؛ من تبادل المعلومات والخبرات وزيارات المختصين، إلى تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل والدورات التدريبية المشتركة، وصولًا إلى تشكيل فريق عمل مشتركٍ يتولى متابعة التنفيذ وتجديد آفاق التعاون باستمرار. إنّها بنيةٌ مؤسسيةٌ متماسكة لشراكةٍ مصمَّمة للعمل لا للأدراج.
في السياق الأشمل، تأتي هذه الاتفاقية امتدادًا طبيعيًا لمسيرةٍ حافلة من المبادرات والبرامج التي تُطلقها الوزارة وتُتابعها بصيرورةٍ حثيثة، وهي مسيرةٌ تنبثق من قناعةٍ راسخة مفادها أنّ الاستدامة البيئية ليست ترفًا فكريًّا أو شعارًا للواجهة، بل هي شرطٌ حضاريٌّ لا يُفرّط فيه لمن يُؤسّس لمستقبل حقيقيٍّ جديرٍ بأبنائه وأحفاده. وحين تمدّ المملكة يدها إلى موسكو في هذا الملف بالذات، فإنّها إنّما تُثبت أنّ البيئة لغةٌ كونيةٌ مشتركة، وأنّ مواجهة تحدياتها لا تعرف حدودًا ولا تُفرّق بين شرقٍ وغرب.