|

عبد العزيز بن سلمان يتحدث بالصمت

الكاتب : الحدث 2026-06-06 11:41:09

بقلم: خليل القريبي
مستشار إعلامي

وسط الزخم الذي رافق مشاركة المملكة كضيف شرف في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، جاءت كلمات صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة لتلفت الأنظار إلى قضية تتجاوز أسواق النفط والطاقة، وتمتد إلى جوهر القيادة في أوقات الأزمات، وبينما ينشغل كثيرون بسرعة الرد وكثرة التصريحات، اختار سموه أن يطرح مفهوماً مختلفاً يقوم على الهدوء والتواضع المعرفي وإدراك قيمة الصمت عندما تشتد العواصف. الحضور السعودي في المنتدى عكس المكانة التي باتت المملكة تحتلها على الساحة الاقتصادية العالمية، سواءً من خلال دورها المحوري في أسواق الطاقة أو عبر ما حققته من تحولات اقتصادية وتنموية واسعة في إطار رؤية 2030. كما أن اختيار المملكة كضيف شرف للمنتدى جاء تأكيداً على حجم الثقة الدولية التي تحظى بها، وللدور الذي تؤديه في تعزيز استقرار الاقتصاد العالمي ودعم مسارات التنمية والاستثمار.

وسط هذه الأجواء، قال سمو وزير الطاقة: "بصفتي وزيراً، أعتقد أنك عينت لتبقى هادئاً، لا لتصاب بالذعر، لأنك عندما تفعل فإنك في الواقع تفقد السيطرة على المشهد والرواية"؛ هذه العبارة تختصر تجربة قيادية عميقة في إدارة الملفات الكبرى، لأن القائد الحقيقي يحافظ على توازنه عندما تتصاعد الضغوط، ويمنح الأولوية لقراءة المشهد بدقة قبل الانجراف خلف ردود الأفعال الآنية، وأن السيطرة على الرواية تبدأ من السيطرة على الذات، وهي رسالة تحمل قيمة كبيرة لكل من يتولى مسؤولية عامة أو يقود مؤسسة أو يدير أزمة.

ومن بين المفاهيم المهمة التي تناولها سموه حول ضبابية المشهد الاقتصادي، إشارته إلى أن الموقف الحالي يمثل "اعترافاً متواضعاً" بحقيقة عدم اليقين تجاه ما سيحدث في المستقبل القريب جداً، مؤكداً ضرورة التزام الحكمة، فإذا كان المرء لا يملك إجابات قاطعة، فمن الأفضل والأنضج له أن يقول: "لا أعلم"، ومن هنا تنبع أهمية الاعتراف بحدود المعرفة، خصوصاً في القضايا المعقدة التي تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية والتقنية. وجاءت العبارة الأخرى التي استوقفت كثيراً من المتابعين عندما قال سموه: "في خضم ما يعد بلا شك أكبر أزمة لأمن الطاقة شهدها العالم على الإطلاق، لم أنطق بكلمة واحدة، وأعتزم الاستمرار في هذا النهج، لأنني أؤمن بأن الصمت نوع من الحديث"؛ في هذه الكلمات تتجلى حكمة نادرة في إدارة الأزمات، حيث هناك مواقف تتحدث فيها القرارات أكثر من التصريحات، وتكون النتائج أبلغ من التعليقات المتلاحقة، وأن الصمت في بعض اللحظات يعبر عن ثقة بالنفس وإدراك لمسؤولية الكلمة وتأثيرها، خاصة عندما تكون الأسواق العالمية والجهات الدولية تتابع كل إشارة وكل موقف.

تصريحات الأمير عبد العزيز بن سلمان في سان بطرسبورغ قدمت نموذجاً سعودياً رفيعاً في القيادة وإدارة الملفات الاستراتيجية؛ نموذجاً يقوم على الهدوء ورصانة الموقف والاعتراف والصمت، ويعكس مدرسة سعودية راسخة نجحت عبر العقود في التعامل مع التحديات الكبرى بعقلانية واتزان. ولهذا جاءت كلمات سموه أقرب إلى درس قيادي متكامل منها إلى تصريح عابر، وهو ما منحها صدى واسعاً وتداولاً سريعاً تجاوزا حدود المنتدى إلى كل من يعنيه فهم القيادة في زمن الأزمات.